لم تعد المشكلة في مجتمعنا أننا لا نعرف الصواب من الخطأ، بل إننا أصبحنا في كثير من الأحيان نعرف الصواب جيدًا، ثم نختار ما يناسب مصالحنا، ونبحث لأنفسنا عن مبررات تجعل الخطأ مقبولًا، ما دمنا لا نتحمل عواقبه وحدنا.
نستنكر الظلم حين يقع علينا، ونبرره حين نكون المستفيدين منه. نطالب الناس بالصدق، بينما نمارس المراوغة عندما تصبح الحقيقة عبئًا علينا. نتحدث كثيرًا عن الأصول والمبادئ، لكننا ننسى أن المبادئ الحقيقية لا تظهر في الكلمات التي نقولها، بل في المواقف التي نختارها عندما لا يراقبنا أحد.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ لسنا بحاجة إلى مزيد من الأشخاص الذين يتحدثون عن الأخلاق، بقدر حاجتنا إلى أشخاص يلتزمون بها حين تتعارض مع مصالحهم.
لقد أصبح من السهل أن نصنع لأنفسنا صورة مثالية أمام الآخرين، وأن نختار من حياتنا ما نعرضه للناس، وأن نخفي خلف الكلمات الجميلة مواقف لا تشبهها. لكن الصورة، مهما بلغت درجة إتقانها، لا تستطيع أن تغير حقيقة الإنسان في اللحظات التي يُختبر فيها ضميره.
والمؤلم أن بعض الممارسات الخاطئة لم تعد تُقابل بالرفض الكافي، بل أصبحت تجد طريقها إلى التبرير والتطبيع. قد يُوصف صاحب المصلحة بأنه ذكي، ويُتهم صاحب المبدأ بأنه ساذج، ويُنظر إلى من يرفض التنازل عن حقه باعتباره صعب التعامل، بينما يُكافأ أحيانًا من يجيد استغلال الآخرين.
ومع تكرار هذه الصور، يبدأ الخلل في تجاوز الأفراد ليؤثر في نظرتنا إلى القيم نفسها؛ فيصبح السؤال ليس: هل ما أفعله صحيح؟
بل: هل سأُحاسب عليه؟
وهل سيعرف أحد بما فعلت؟
وحين يصبح الخوف من الفضيحة أقوى من الخوف من ارتكاب الخطأ، نكون أمام أزمة تتجاوز السلوك الظاهر إلى الضمير الذي يفترض أن يوجّه هذا السلوك.
ولا يمكن أن نتحدث عن أزمة الضمير دون أن نتوقف أمام مسؤولية الكلمة. فكلمة واحدة قد تهدم سمعة إنسان، وشائعة قد تزرع الشك في بيت آمن، وتعليق ساخر قد يترك في نفس صاحبه جرحًا لا نراه. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح إطلاق الأحكام على الآخرين أسهل من التحقق من الحقائق، وأصبح البعض يتعامل مع حياة الناس باعتبارها مادة متاحة للتعليق والتشهير.
لقد منحنا العالم الرقمي قدرة هائلة على التواصل، لكنه لم يمنح الجميع بالضرورة القدرة على تحمّل مسؤولية ما يقولون. فليس كل ما نعرفه يجب أن ننشره، وليس كل ما نسمعه يستحق التصديق، وليس كل خلاف يبرر الإساءة.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يفقد أفراده الإحساس بمسؤوليتهم تجاه بعضهم البعض؛ أن يرى الإنسان ظلمًا فيصمت لأنه ليس طرفًا فيه، أو يشاهد محتاجًا فيمر دون اكتراث، أو يعرف أن شخصًا يتعرض للأذى فيختار سلامته الشخصية على حساب كلمة حق يستطيع قولها بحكمة وأمان.
لسنا مطالبين بأن نكون أبطالًا في كل موقف، لكننا مطالبون بألا نشارك في الظلم، وألا نحول الصمت إلى وسيلة تمنح الخطأ حصانة، وألا ننسى أن المجتمع لا يتشكل بقرارات المؤسسات وحدها، بل يتشكل أيضًا من آلاف الاختيارات اليومية التي يتخذها أفراده.
وفي المقابل، من الظلم أن نختزل المجتمع كله في النماذج السيئة، أو أن نتجاهل أولئك الذين ما زالوا يؤدون أعمالهم بأمانة، ويحفظون حقوق غيرهم، ويساعدون المحتاجين في صمت، ويختارون الطريق الصحيح رغم صعوبته.
هؤلاء موجودون، وربما لا تتصدر قصصهم المشهد بالقدر الذي تستحقه، لكن وجودهم يذكّرنا بأن الإصلاح ممكن، وأن الأخلاق ليست كلمات فقدت معناها، بل مسؤولية تحتاج إلى من يحملها ويدافع عنها بالممارسة.
إن استعادة الضمير لا تبدأ بخطبة طويلة، ولا بحملة مؤقتة، ولا بإلقاء اللوم على الأجيال الجديدة وحدها. تبدأ من البيت الذي يعلّم أبناءه أن الاعتذار شجاعة، وأن احترام الآخرين لا يرتبط بمكانتهم، وأن الأمانة لا تتجزأ. وتبدأ من المدرسة التي تغرس قيمة المسؤولية، ومن المؤسسات التي تطبق القواعد بعدل، ومن كل فرد يراجع نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير.
فلا قيمة للحديث عن النزاهة إذا كنا نبرر لأنفسنا ما نرفضه من غيرنا، ولا معنى للمطالبة بالعدل إذا كنا نرضى بالظلم عندما يخدم مصالحنا، ولا فائدة من تعليم الأبناء القيم بالكلمات إذا كانت أفعال الكبار تنقضها أمام أعينهم.
إن المجتمع لا يحتاج إلى أناس بلا أخطاء، بل إلى أناس يعترفون بأخطائهم، ويتحملون مسؤوليتها، ولا يحولونها إلى حق مكتسب لمجرد أنهم اعتادوا عليها.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: لماذا تغير الناس؟
بل: ماذا نفعل نحن عندما نُمنح فرصة الاختيار بين المصلحة والمبدأ، وبين الصمت والحق، وبين إيذاء الآخرين واحترام إنسانيتهم؟
فالإصلاح الذي ننتظره من العالم لن يبدأ قبل أن نراجع المساحة التي نملك تغييرها في أنفسنا. والضمير لا يُقاس بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نفعله حين نستطيع أن نخطئ دون أن يكتشفنا أحد.
في النهاية، قد تنجح الحيل لبعض الوقت، وقد تحقق المصالح مكاسب سريعة، وقد تخدع المظاهر كثيرين، لكن المجتمعات لا تُبنى على الذكاء في الالتفاف على الحقوق، بل على الثقة التي تجعل الإنسان مطمئنًا إلى أن حقه لن يضيع، وأن كرامته لن تكون ثمنًا لمصلحة شخص آخر.
فحين يصبح الضمير حاضرًا في قراراتنا الصغيرة قبل مواقفنا الكبيرة، يمكننا أن نتحدث عن تغيير حقيقي. أما إذا اكتفينا بإدانة أخطاء الآخرين، بينما نمنح أخطاءنا أسماء أكثر قبولًا، فستظل الأزمة قائمة، مهما كثرت كلماتنا عن الأخلاق.
مرشد نفسي إستشاري أسرى ومعالج زواجي بالإتحاد العالمي المعالجين النفسيين العرب
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
