الخميس , 22 أكتوبر 2026

مؤمن الهبـاء يكتب.. رسالة الإسلام وواقع المسلمين




جاء الإسلام إلى العالم برسالة السلام والأمن والأمان، واستطاع في سنوات قليلة أن يوحد القبائل المتناحرة في الجزيرة العربية، ويجعل من أرضها واحة للأمن، حتي يسير فيها الراكب من صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله والذئب على غنمه، تحقيقا لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن واقع المسلمين اليوم يناقض هذه الرسالة جملة وتفصيلا، فالصراعات والحروب المتفجرة بينهم صارت تهدد وجودهم، وما من بلد يتحارب أهله على النفوذ والسلطة والمال في عالم اليوم غير بلاد المسلمين، العرب تحديدا، رغم أنهم هم الذين نزلت عليهم رسالة الإسلام وحملوها إلى الدنيا بأسرها.
لقد وصلت شعوب الأرض إلى مستويات عليا من النضج الحضاري جعلتها تضع حلولا توافقية لإدراة الصراعات السياسية بين أبنائها وطوائفها وأحزابها، بما لا يسمح لنوازع الشر أن تدفع فريقا إلى حمل السلاح في وجه فريق آخر منافس له، ومن ثم صارت المنافسات والخلافات بين الفرقاء محصورة في صندوق الانتخابات، وصار السلاح مخصصا فقط للعدو الخارجي، ومحرما استخدامه في الخلافات السياسية الداخلية، وهو أمر ـ للأسف ـ لم تصل إليه معظم الدول العربية بعد، لذلك رأينا اليمني يقتل اليمني من أجل الحكم والسيطرة والنفوذ، والسوداني يقتل السوداني، والليبي يقتل الليبي، بينما قلوبنا تنفطر على الأرواح البريئة التي تزهق هنا وهناك، وعلى الأموال الطائلة التي يشترى بها السلاح الذي يقتل به الإخوة بعضهم بعضا، بدلا من أن تنفق هذه الأموال على تطوير البلاد وترقية حياة أبنائها.
ولا يخفي أن الحروب الأهلية أضعفت الدول واستهلكت ثرواتها ومقدراتها، وأنهكت روحها الوطنية، وضيعت عليها فرص التنمية والاستثمار، وأغلقت أمامها أبواب الأمل في غد أفضل، وشغلتها بنفسها عن قضايا الأمة الكبرى في مواجهة العدو الأجنبي الخارجي، الذي يحتل أرضها وينتهك مقدساتها ويتربص بها الدوائر، وينصب لها الفخاخ في كل طريق، ويعمل على تغيير هويتها والقضاء على خصوصيتها الثقافية والحضارية والدينية، حتى تتحول إلى تابع خاضع لهيمنته.
وفي الوقت الذي يعمل العدو جاهدا على تشويه الإسلام وإهانة المسلمين، ووصمهم جميعا بالإرهاب والتعصب والتخلف الحضاري، ومحاصرتهم بالاتهامات والعقوبات، وإثارة حملات الكراهية ضد كل ما له علاقة بالإسلام، يسعى في اتجاه آخر إلى تأجيج نزعات العداوة والبغضاء والتعصب بين أبناء الوطن الواحد لتشتعل بينهم الحروب الأهلية على الدوام، وتظل الأطراف المتحاربة مرتبطة به، تشتري منه السلاح وتطلب منه الحماية، وتجعل له المشورة في الإستراتيجيات والمخططات والسياسات العليا.
وكثيرا ما توضع مخططات العدو تحت لافتات براقة خادعة، مثل مشروع فرض الديمقراطية الغربية على العالم العربي والإسلامي، الذي رصدت له ميزانيات بمليارات الدولارات، ويقينا لم يكن الهدف منه تطبيق الديمقراطية الحقيقية التي تتوق إليها الشعوب، وإنما بث الفتن واختراق الأمن القومي وتدعيم إستراتيجية الصراع والاحتراب الداخلي، والتمكين للمشروع التغريبي، وخلق تيار انهزامي يتنكر لجذوره الحضارية، ويرى أن الإسلام تركة قديمة من موروثات الماضي، وأن الغرب هو قبلة الخلاص والتحضر والرفاهية والمستقبل.
وإذا كان العدو قد نجح في أن يحاصر أمتنا بالمؤامرات والمخططات، ويفجر فيها الصراعات والحروب الأهلية، فإننا لا نعفي من المسئولية أولئك المغامرين المتمردين الذين حملوا السلاح في مواجهة إخوانهم، وحولوا الخلافات السياسية أو المذهبية إلى حروب طاحنة، هؤلاء هم الذين استجابوا للمخططات، وعملوا على تنفيذها بأيديهم، وكانوا ـ وما زالوا ـ مخلب القط الذي ينهش في جسد أمتنا.
إن ما ينقص المسلمين اليوم في مواجهة مخططات الهدم والتقسيم والتآمر على دينهم وهويتهم وأسلوب حياتهم ليس إظهار المزيد من التدين الشكلي في أداء الشعائر، والتكلف في الالتزام بالعبادات، وإنما الاجتهاد في فهم صحيح للدين كفكرة مكتملة تتفق مع الفطرة الإنسانية السليمة، فهم حضاري يجمع ولا يفرق، ويحفظ للأوطان الأمن والاستقرار والسلام، ويساعد على استنباط حلول مناسبة لمشاكل العصر، استنادا إلى قاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان.
لو ترجم اليمنيون والسودانيون والليببيون وغيرهم فكرة الأخوة الإسلامية إلى واقع، واقتنعوا فعلا بأن المسلمين إخوة متساوون في الحقوق والواجبات، وفقهوا آية الاعتصام بحبل الله، والحديث النبوي الشريف: “المسلمون إخوة، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من عاداهم”، لأوقفوا المجازر التي تدور رحاها في بلادهم، وأنقذوا أوطانهم من الضياع.

شاهد أيضاً

محمود دياب يكتب.. الاصطفاف الشعبي والتضامن العربي ضروريان الآن

تموج المنطقة حاليا في الكثير من الدول بالصراعات والقلاقل والاقتتال الداخلي بتخطيط وتمويل مالي ولوجستي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *