في القاهرة، حيث يختلط صوت العود بصوت التاريخ.. لم يكن احتفال السفارة التركية بعيد الجمهورية مجرد مناسبة بروتوكولية تُطوى بانتهاء الكلمات والمصافحات.. كان أقرب إلى مشهد ثقافي مكتمل الأركان.. نحو ألف وخمسمائة شخص من أتراك ومصريين، ودبلوماسيون وصحفيون وإعلاميون وفنانون، تجمعوا ليحتفوا بالذكرى الثالثة بعد المائة لتأسيس الجمهورية التركية.. على إيقاع النشيدين الوطنيين التركي والمصري، ثم على نغمات فرقة جمعت نخبة من عازفي مصر قدموا مقطوعات كلاسيكية من الموسيقى التركية والمصرية معًا.
وربما كانت الموسيقى هنا أصدق من أي خطاب.. فحين تتجاور المقامات التي تشترك فيها الثقافتان منذ قرون.. يصبح الحديث عن تاريخ مشترك ممتد اثني عشر قرنًا أقرب إلى الحقيقة منه إلى العبارة الدبلوماسية.
وهذا بالضبط ما ذهب إليه السفير صالح موطلو شن حين قال: إن العلاقة بين البلدين تستمد قوتها من التاريخ والثقافة وروابط القرابة، وإنها لم تعد مسألة تفضيل أو قرار، بل ضرورة تفرضها حاجة المنطقة إلى السلام والاستقرار والتنمية.
استعاد السفير في كلمته ولادة الجمهورية من رماد الحرب العالمية الأولى، وقال إنها اختارت منذ البداية أن تبتعد عن المغامرات، وأن تتخلى عن ردود الفعل الإمبراطورية، وأن تبني علاقات حسن جوار.. ومن هنا جاء الشعار الذي تحول إلى ما يشبه الوصية المؤسسة: سلام في الوطن، سلام في العالم. وكان لافتًا أنه لم يرد السلام مجرد غياب للحرب، بل نظامًا تعيش فيه الأمم بمساواة واحترام متبادل وتعمل معًا من أجل الازدهار.
ثم انتقل من الذاكرة إلى خريطة المنطقة المضطربة، من إيران إلى الخليج، ومن السودان والصومال إلى ليبيا وسوريا، وصولًا إلى غزة التي وصف فيها الحل العادل بأنه لا يمر إلا عبر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، محذرًا من أن الاستيطان وعنف المستوطنين جعلا حل الدولتين شبه مستحيل.
وتحدث عن فكرة الملكية الإقليمية، أي أن تصنع دول المنطقة حلولها بنفسها، مشيرًا إلى مجموعة تجمع تركيا ومصر وباكستان والسعودية.
أما على أرض الواقع، فاختار السفير لغة الأرقام: خمسون منشأة إنتاج تركية جديدة في مصر منذ عام 2022، ومئة ألف فرصة عمل للمصريين، وتبادل تجاري يقترب من تسعة مليارات دولار. وقد ذهب أبعد من ذلك حين تنبأ بأن يرى الناس خلال عشر سنوات صواريخ وسفنًا وطائرات مسيرة تنتج بشراكة تركية مصرية.
وهذا كلام يبدو طموحًا، لكنه يعكس رغبة في أن تتحول الصداقة من شعور إلى صناعة.
وفي لحظة صراحة نادرة في مثل هذه المناسبات، أقر بأن البلدين الكبيرين لن يتفقا دائمًا على كل شيء، لكنه شدد على أن المصالح الاستراتيجية تتقارب في العمق.
يبقى أن الاحتفالات تمر وتنتهي، لكن الأسئلة التي تفتحها تبقى: هل تنجح الثقافة، بما فيها من موسيقى وذاكرة ولغة مشتركة.. في أن تكون الجسر الذي تعبر عليه السياسة والاقتصاد؟ الليلة التي عزفت فيها الفرقة لحنًا تركيًّا وآخر مصريًّا، ثم صفق الحاضرون للاثنين بالحماسة نفسها..
تقول إن الجواب ممكن على الأقل.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
