يأتي العيد هذا العام كضيفٍ ثقيل الخطى، لا يحمل في يديه بهجةً خالصة، ولا يطرق الأبواب بضحكةٍ صافية كما اعتدناه. يأتي وفي الأفق دخان، وفي الوجدان قلق، وفي القلب سؤالٌ أكبر من الفرح ذاته: أيُّ عيدٍ هذا الذي يُولد على حافة الخوف؟
كان العيد، في فلسفته الأولى، تتويجًا للسكينة. نهايةً لشهرٍ صقل الإنسان من داخله، فأعاد ترتيب علاقته مع نفسه، ومع الله، ومع العالم. كان وعدًا بأن الجوع الذي اختبره الصائم سيتحوّل إلى رحمة، وأن الصبر الذي تدرّب عليه سيثمر سلامًا. لكن حين تُحاصر الحروب المعنى، يتبدّل السؤال: هل يمكن للسلام أن يولد في زمنٍ لا يعترف إلا بالقوة؟
العيد ليس تاريخًا على التقويم، بل حالة إنسانية. هو لحظة توافق بين الداخل والخارج، بين القلب والعالم. فإذا اضطرب العالم، تكسّرت هذه اللحظة ليصبح العيد مجرّد إعلانٍ رمزي، لا يملك أن يغيّر واقعًا يفيض بالتوتر. وهنا تتجلّى المفارقة: نعلن الفرح بينما العالم يختبر الخوف، نلبس الجديد بينما الأرض تلبس وجعها، نردّد التكبيرات بينما أصوات أخرى تعلو… أصوات لا تعرف إلا لغة النار.
وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ ومع الدم، لا يصبح سؤال العيد كيف نفرح، بل لماذا نفرح؟ وهل الفرح فعل مقاومة أم نوع من الهروب؟
لم يعد العيد احتفالٍ بالفرح، بل أصبح لحظة تأمل حادّة، نعيد فيها قراءة هشاشة الأمن، وسرعة انزلاق الاستقرار إلى القلق، وكيف يمكن لقرارٍ سياسي طائش أن يعيد تشكيل مصير شعوب بأكملها. نعم العيد لا يملك القدرة على تغيير العالم، لكنه يمتلك قوة التذكير بما ينبغي أن يكون عليه هذا العالم. يعرض أمامنا صورةً غائبة، ويضعنا في مواجهة مسؤولية استعادتها؛ فإما أن يتحوّل إلى بداية وعيٍ جديد، أو يظل طقسًا يتكرر بينما يتآكل المعنى في صمت.
يعود العيد هذا العام… لا كما عهدناه، ولا كما نتمنّاه، بل كما نحن:
معلّقين بين إيمانٍ عميق بما يجب أن يكون، وخوفٍ واقعي مما هو كائن.
وفي قلب هذا التوتر، يتشكّل السؤال الذي لا مفر منه:
هل ننتظر عيدًا يعيد تشكيل العالم… أم نبدأ نحن بإعادة تشكيل العالم ليعود العيد كما ينبغي؟









