لم يكن الخامس من يونيو / حزيران مجرد معركة خسرها جيش، ولا أرضًا احتُلّت، ولا طائرات دُمّرت فوق المدارج قبل أن تقلع. كان لحظة تاريخية كشفت خللًا عميقًا في بنية أمة كاملة، وفي طريقة تفكيرها، وفي علاقتها بالعلم والسياسة والاقتصاد وإدارة الدولة.
ورغم مرور تسعة وخمسين عامًا على تلك الهزيمة، ما زلنا نتعامل معها وكأنها حدث وقع بالأمس. ما زلنا نختلف حول الأشخاص أكثر مما نختلف حول الأسباب. ما زلنا نبحث عن قائد نحمّله المسؤولية، وعن رواية ندافع عنها، وعن خطاب نكرره في كل ذكرى، بينما يظل السؤال الحقيقي غائبًا:
لماذا لم ننجح طوال هذه العقود في بناء منظومة سياسية واقتصادية وعلمية تجعل تكرار يونيو مستحيلاً؟
ما أراه أن الأمم لا تُقاس بما تتعرض له من هزائم، بل بقدرتها على تجاوزها.
ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ومقسمة ومحتلة. اليابان خرجت من الحرب نفسها بعد قنبلتين نوويتين ومحاولة لمحوها من التاريخ. كوريا الجنوبية كانت واحدة من أفقر دول العالم. الصين عاشت عقودًا من الفوضى والمجاعات والصراعات الداخلية.
لكن هذه الدول لم تمضِ نصف قرن تتجادل حول من أخطأ ومن أصاب. لم تجعل الماضي سجنًا تعيش فيه. طرحت السؤال الأصعب والأكثر أهمية: كيف نمنع تكرار ما حدث؟
أما نحن، فما زلنا أسرى اللحظة الأولى للهزيمة.
فبدلًا من بناء منظومات تعليمية تنتج المعرفة، ومنظومات اقتصادية تنتج الثروة، ومنظومات علمية تنتج التكنولوجيا، ومنظومات سياسية تنتج الاستقرار والتداول والكفاءة، انشغلنا بإعادة إنتاج السجالات نفسها.
تحول التاريخ إلى محكمة لا تنتهي.
وتحول الماضي إلى ساحة معركة دائمة.
وتحولت الهزيمة إلى مادة للجدل أكثر منها مادة للتعلم.
وبينما كانت الأمم التي هُزمت بعدنا تبني الجامعات ومراكز البحث والمصانع العملاقة، كنا ننفق جزءًا كبيرًا من طاقتنا في تفسير ما حدث قبل عقود، ومحاكمة قادته بدلًا من بناء ما يمنع تكراره.
المشكلة لم تكن في يونيو.
المشكلة كانت في تكرار يونيو.
لقد تكرر يونيو عام 1990 عندما عجز النظام العربي عن منع أكبر انقسام عربي في العصر الحديث، فانفتح الباب أمام وجود عسكري أجنبي واسع في قلب المنطقة، ودخل العرب مرحلة جديدة من الاستقطاب والتبعية والصراعات الممتدة.
وتكرر عام 2003 عندما سقطت بغداد الذي لم يكن مجرد سقوط مدينة فقط، بل سقوط مركز تاريخي من مراكز الثقل العربي، ودخول المنطقة في دوامة طويلة من الفوضى والانقسامات والطائفية والصراعات التي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
وتكرر عام 2011 حين اندلعت الثورات العربية. كانت المطالب في بدايتها تعبيرًا عن أزمات حقيقية، لكن ضعف المؤسسات، وغياب الدولة القادرة على إدارة التحولات، وانعدام المشروع المشترك، حوّل أجزاء واسعة من العالم العربي إلى ساحات مفتوحة للصراع والاستنزاف.
وتكرر عام 2023 بما جرى في غزة. لم تكن المأساة إنسانية وعسكرية فقط، بل كانت مناسبة جديدة لكشف حجم التشرذم العربي، وعجز المنطقة عن إنتاج موقف استراتيجي موحد في واحدة من أخطر أزماتها.
ثم تكرر عام 2024 عندما سقطت سوريا التي عرفناها لعقود طويلة كدولة موحدة مستقرة. وبعد سنوات من الحرب والتدخلات والانقسامات، أصبحت الجغرافيا السورية نفسها شاهدًا جديدًا على ثمن العجز عن معالجة الأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث.
هذه الأحداث تبدو متفرقة في ظاهرها.
لكنها في حقيقتها حلقات في السلسلة نفسها.
سلسلة عنوانها العجز عن قراءة التاريخ،
فالتاريخ لا يعاقب من يجهله مرة واحدة،
بل يعاقبه كل مرة يصر فيها على تجاهل دروسه.
لقد تعلمت أمم كثيرة أن الجيوش القوية لا تُبنى في الثكنات فقط.
بل تُبنى أولًا في المدارس.
وفي الجامعات.
وفي المختبرات.
وفي المصانع.
وفي مؤسسات الدولة .
تعلمت أن القوة العسكرية ليست سببًا، بل نتيجة. نتيجة لاقتصاد قوي.
وتعليم متقدم.
وعلم متراكم.
وإدارة رشيدة.
وقدرة مستمرة على النقد والتصحيح والمراجعة.
أما نحن فما زلنا نريد نتائج القوة دون بناء شروطها.
نريد جيوشًا قوية دون صناعة قوية.
ونريد اقتصادًا قويًا دون إنتاج حقيقي.
ونريد علمًا متقدمًا بينما نهمش العلم و العلماء.
ونريد نهضة دون تعليم.
ونريد وحدة دون مشروع مشترك.
ونريد مستقبلًا مختلفًا مع الإصرار على الأدوات نفسها التي صنعت أزمات الماضي.
ولعل أخطر ما واجهناه خلال العقود الماضية لم يكن نقص المال ولا نقص الموارد.
بل تغييب التفكير النقدي وانتشار التجهيل.
فالأمم لا تنهزم عندما تخسر المعركة، إنها تنهزم عندما يُغَّيب فكر أفرادها.
وعندما يتحول التلقين إلى بديل للتفكير.
والصوت العالي إلى بديل للمعرفة.
والعاطفة إلى بديل للتحليل.
عندها يصبح تكرار الأخطاء أمرًا طبيعيًا.
ولهذا لم تنتهِ يونيو.
فهي لم تعد تاريخًا محفوظًا في الكتب.
بل أصبحت طريقة تفكير تتكرر كلما تجاهلنا شروط التقدم الحقيقي.
لقد أمضينا عقودًا طويلة نختلف حول من خسر المعركة.
بينما كان السؤال الأهم:
لماذا لم نبنِ بعد كل هذه السنوات منظومة تجعل خسارة المعركة القادمة مستحيلة؟اعتقادي الجازم أن الأمم لا تسقط بسبب هزيمة واحدة، لكنها تتعثر طويلًا عندما تصر على العيش داخل الهزيمة بدل التعلم منها.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم، بعد تسعة وخمسين عامًا من يونيو، ليس من المسؤول عما حدث عام 1967.
بل من المسؤول عن عدم التحرر منه وبناء منظومة قادرة على عدم تكراره؟










