فى عام 2001 صدر كتاب ” من الذى دفع للزمار؟ : الحرب الباردة الثقافية ” للمؤلفة البريطانية فرانسيس ستونور سوندرز، وفى عام 2003 صدرت ترجمته العربية بقلم الأستاذ طلعت الشايب رحمه الله، ليصبح وثيقة عالمية تكشف ـ لأول مرة ـ الدور الذى قامت به وكالة المخابرات الأمريكية ” سى آي إيه ” أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى ” السابق “، من خلال التغلغل فى المؤسسات الثقافية والإعلامية والصحف والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدنى فى أوروبا ودول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية، وفى أمريكا ذاتها والدول الحليفة لها.
وكشفت سوندرز بالوثائق كيفية تدفق المساعدات المالية لهذه الجمعيات بواسطة بنوك ومؤسسات ثقافية أمريكية، بهدف السيطرة عليها والتحكم فى توجهاتها، وإنشاء ” منظمة الحرية الثقافية ” للتواصل مع الشعراء وكتاب المسرح والروائيين والصحفيين وكتاب المقالات والأكاديميين والسياسيين ورجال الدين، لشراء ولائهم فى مواجهة ما كان يسمى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية بـ ” المد الشيوعى “.
وذكرت المؤلفة أسماء العديد من المثقفين والصحفيين فى أوروبا وأمريكا ومختلف دول العالم، ممن ارتبطوا بهذا النشاط المخابراتى، وكيف تم اختيارهم وصناعتهم وتصعيدهم لأعلى المراكز، وتقديم كل أشكال الدعم لهم، من خلال مدهم بالمعلومات والدراسات وبرامج التدريب والمنح الدراسية المجانية، وإتاحة الفرص أمامهم للعمل والترقى والسفر ونشر كتبهم، والمشاركة فى ندوات ومؤتمرات دولية، والحصول على جوائز وألقاب فخمة، تسبغ عليهم أهمية خاصة، وتمنحهم مكانة مرموقة فى مجتمعاتهم.
لم يكن مطلوبا من هؤلاء أكثر من أن يكتبوا ويتكلموا عن الحرية والحداثة والتجريب، ويروجوا للتيارات الجديدة فى الآداب والفنون، حتى يكون فى إمكانهم التأثير وإحداث التغيير فى مجتمعاتهم من الداخل، باعتبارهم حاملى لواء التمرد على القديم والشائع والمستقر، بينما هم فى الحقيقة ينخرون فى ثوابت مجتمعاتهم لتخريبها وإسقاطها، من حيث يعلمون أو لا يعلمون.
كما ذكرت المؤلفة أسماء عشرات الصحف والمجلات الثقافية التى دعمتها المخابرات الأمريكية حول العالم، وكشفت الطرق التى كان يتم من خلالها منح الجوائز الأدبية المرموقة فى الغرب بإيعاز من الـ ” سى آي إيه ” لفنانين وموسيقيين ومؤلفين، ليس تقديرا لفنهم، وإنما تقديرا للدور الذى قاموا به.
ولا شك أن مصر كانت ضمن الدائرة المستهدفة بهذا النشاط المخابراتى، خاصة فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، فى ظل التوجهات الاشتراكية والقومية العربية للرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، وهناك أسماء كانت منخرطة ـ سرا أو جهرا ـ فى تسييس الثقافة، بتشويه العقل العربى والتراث العربى، وكل ما يمت للعروبة بصلة، وقد انكشف بعض هؤلاء لاحقا، وما زالت الأيام تكشف المزيد منهم.
لست فى هذا العرض مدافعا عن الشيوعية فى مواجهة الأنشطة المخابراتية الثقافية الأمريكية، فقد لعبت الكتلة الشيوعية أيضا الدور نفسه، وكانت لها مراكزها ومؤسساتها التى تخترق بها الشعوب، من خلال الأنشطة الثقافية والفنية، ولها أذرعها التى تدعم بها عملاءها من الكتاب والفنانين والأكاديميين والسياسيين، وتوفر لهم التمويل والامتيازات، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتى نشرت ” الأهرام ” أسماء بعض من كانوا يحصلون على مرتبات شهرية ثابتة من الحزب الشيوعى السوفيتى مقابل خدماتهم، ورغم افتضاح أمرهم بهذا الشكل استطاعوا بسهولة تغيير قبلتهم إلى واشنطن، وتغيير نشاطهم إلى مجابهة ما أسموه ” الأيديولوجية الإسلامية ” أو ” الإسلاموية ” أو ” التأسلم السياسى“.
والسؤال الآن : إذا كان هذا هو حال الزمارين فى القرن العشرين، فكيف حال التزمير الآن، مع تطور وسائل الاتصالات الحديثة والفضائيات والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى وغيرها ؟ وإذا كان هذا الكتاب ” الوثيقة ” قد فضح السياسات الأمريكية وأذنابها بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتى وخروج الوثائق السرية من معقلها، فهل علينا أن ننتظر سنوات مماثلة حتى يخرج علينا باحث بريطاني أو أمريكى بكتاب يفضح فيه من يزمرون اليوم، ومن يمولونهم، رغم أن المكشوف من نشاطهم يدل عليهم، فالأثر ـ كما قال الأعرابي ـ يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير؟
ومنذ أن انتهت دراما ” الجهاد الأفغانى”، وتحويل قادته إلى إرهابيين بعد أن كانوا حلفاء، وبعد سقوط الشيوعية فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى، نشطت آلة الدعاية الأمريكية فى تسويق الإسلام كعدو جديد، عدو أخضر، وظهر العديد من الكتب والصحف والفضائيات والمؤتمرات التى تتحدث عن خطورة الإسلام، وضرورة احتوائه وتعديله وتطويره ليواكب الهيمنة الأمريكية، الذى انصاعت لها كل الثقافات، ولم يعد أمامها من مناوئ أو مناقض أومغاير، غير الثقافة الإسلامية وما تحمل من قيم رافضة لقيم العولمة فى توجهاتها الإنسانية والاجتماعية والدينية، التى ظهرت فى مؤتمرات السكان، ثم وضعت فى مقررات الأمم المتحدة، مثل التيارات النسوية والجندر وحقوق المثليين وإباحة الإجهاض وحرية ممارسة الجنس خارج نطاق الأسرة.
عندئذ بدأت تتضح معالم الغارة الأمريكية على الإسلام وثوابته وتراثه، باعتباره العمق الاستراتيجى لأمة قاربت الملياري نسمة، وتأسست مراكز بحثية لإدارة الغارة التى اتخذت أشكالا متعددة، وتخطت مفهوم حرب الإرهاب إلى حرب الأفكار، وتشويه الهوية وتحقير الالتزام الدينى، وترويج “الإسلاموفوبيا” لإثارة الكراهية والخوف من الإسلام، حتى وصل الأمر إلى تجهيز أكثر من بديل لطرحه فى حال إحراز النصر، كالإسلام العلمانى و الإسلام الأمريكى، ثم استقر الرأي على “الديانة الإبراهيمية” لتكون آخر البدائل.
ومثلما كانت منظمة الحرية الثقافية تدفع للزمارين القدامى، ظهرت مؤسسات ومراكز تدفع للزمارين الجدد، الذين يشاركون فى تنفيذ مخططات الغارة، ومنها مؤسسة ” راند ” التابعة لإحدى وحدات الجيش الأمريكى، ومركز”كارنيجى”، والمعهد الجمهورى الدولى، وقناة ” الحرة ” الفضائية.
وأكمل الأسبوع القادم إن شاء الله .










