أحمد العش يكتب.. في يَوم عيدّها «اللُغَةُ العَرَبيةُ» غَريبَةٌ فى بَيتهَا

فيما يَبدُو لي عَلى سَبيل التَوصيف الذَاتي ، اختلافاً مَهيباً بين الأمس واليَوم ، فصفحَةُ الأمس ستَبقى في خَلدي ومُخيلتي حَيةٌ بسرَائرها وسطُورهَا البَرَاقَة ، وَارفَةٌ مُخضّرة باسقَة ، هذا أمسٌ اجتمعّت فيه كل عنوَنة الأصّالة ، ذاك أمسٌ تربعت فيه جُل مدونة النبّالة ، أمسٌ أسرني إلى طُقوسه ورُموزه فَمَا بَرحتُ منه وما برحَ عني ، أمسٌ تبلوَرت منه سيكُولوجيَتي وتكَونت من ينَابيعه مُفرَدَاتي ، أمسٌ جذبني إليه الحَنين كُلما داهمَتني أهوال الحَاضر الآني ، ذلكم الأمسُ المَجيد البَعيد الذي احتَضنَ اللُغةَ العربية احتضّاناً حَميمّاً ، فلمّا كَان لها وعاءٌ وسمّاء ، غرّدت في معيَته الضّاد وأنبّتت من كل حرف بهيج ، وإنّ الضّاد التي أحصّنت شَرفَها بعُذوبة لسّانها فألبست مُعتنقيها شرف البَلاغة وتَاج الفصّاحة وفخر الخطّابة ، قد تَسَيدت ما قبل الإسلام وما بعده من أزمنة ، ضّادُ القرآن الكريم والحديث الشريف والتفَاسير ، التي غازلت إيقاع المعنى والمغزى فبَدَت للعَالمينَ في أكملِ وأجملِ مغنى ، ثُمَ هي الضّاد نفسَها التي انبّرى منها الجيل الحَالي وازدرى عنها ، مُستَبدلاً إيَاها بأبجَديَات الدّانتية الإيطّالية والسيرفَانتسية الإسبَانية والشيكسبيرية الإنجليزية والفُولتيرية الفرنسية ، فمع صَحوة التَعليم الأجنَبي الذي سَرى في المَدارس والجَامعات العَربية ، أمَطتُ اللثّام عن اللسّان العربي العَصري ، فوجدُته لا يُبين ولا يُدين إلا لطلَاسِم ورطّانَة الغَرب والأعَاجم سياقاً وحُروفاً ، وصارت العربية منه نَسياً مَنسياً ،،
لم يَحد الدارسُون وحدَهم في أغلب المؤسسات التَعليمية العَربية عن لُغتِهم الجَميلة فقط ، بل امتَدت الآفة لتشمل شَرّائح مُجتَمَعية مُتنَوعة ، فَرُبَ موظفٍ مُتَواضعٍ لا يَشكُر زميله إلا بالفرنسية ، وأخرى لا تُلقى التَحّايا إلا بعبارةِ بونّاسيرا الإيطّالية ، وثالثاً شَاذاً يَتعّاظم على العَربية مُعَظماً لكلمةٍ عبريَة ، ثُمَ حَلّت ثالثة الأثافي ، لما راجت العّامية بالنّابية في آن ، فحَسبُك من الذين تَقَزمت قَوامَهم وتذّللت ألسنَتهُم وتزلزّلت ، فما استسّاغوا من جوَامع الكَلم جُملةً تُطَهرّهُم وتُزكيهم ، فتَرَاهم يتَلعثّمون خلف المنّابر وأمام الفضّائيَات بكلمّاتٍ عبثيةٍ لا يَلقون لها بالاً ،،
امتزج العّامي بالنّابي في قالبٍ رَكيك ، وما بالُ صَفوة مُعَاصرة لا تُعير لأبجديات الفُصحّى كَلمةً ولا حَرفاً ، وحال نُخبةٍ مُنتَخبة لا تَتَرنم شفتّاها إلا بذميم الكَلم ، فلا يُميزُونَ الغثّ من السّمين ولا هم يعرفون قبيلاً من دبير ، ومئال أجيال قَادمة مُتَتَابعة تهوي بهم الريح في مكان سحيق ، يا آسفاه على لُغَةِ القُرآن الكَريم التي طُعنَت بخنَاجرَ مسمُومة غربيةٍ وشرقية في عُقر دارها ،،
تلك اللُغةُ التي تغنّى بها العَرب في سَالف العَصر والمَكَان ، تلكَ اللُغةُ التي حذَقتهَا القبائل والعَشّائر العربية قبل الإسلام مع رقة يسيرة في حواشي الكلم ، فما ظنُك بعدما اعتنقوا شرف الإسلَام فقد جمَلتهُم الضّاد تَجميلاً ، وطَوقّتهُم تَطويقاً، ودَثَرتهُم تدثيراً، إنها الفُصحَى اللينة اليَسيرة التى جَعلت سُحبانُ بن وائل يتقلد وسَام الفَرّادة من فَم مُعاويةَ رضي الله عنه ، مُلقباً إياه بأخطب العَربِ وأخطَب الإنسِ والجن ، لمّا وقف في النَاس خطيباً من بعد الظُهر حتى مشَارف العّصر ، صّامداً رّاسخاً مُتحكماً في ألفَاظه ضّابطاً لسجعهِ وجنَاسه ، مُقَاوماً مُقَومَاً هِنَاته ، تتَدَفق الكلمات من نوَاحيه عذبة مُوجزه مُتعَددة المذَاق ومُتَنوعة المشّارب ، لا تُخطئهَا آذانُ السَامعين ،،
أيتُها اللُغةُ الميمونة من شَرف القُرآن ، لأحرُفكِ العزّة والفَخر ، لما آمن بسحر تأثيرك أشهر طاغية في التَاريخ المُعَاصر ، إنهُ هتلر الذي لما أراد أن يُلهب حمَاس شعبهِ لخوض غمَار الحَرب العَالمية الثَانية ، التمس من الجموع مطلعاً لخُطبةٍ رنَانَة ، فقال له قائلٌ استَهِل خطَابك بمطلع سُورة القَمر ، فكانت تلك مطلع خُطبته العَصمّاء في أولها والصَلعّاء في أوسطها وآخرها ( اقتَربَت السَاعةُ وانشَقّ القَمرُ ) ،، مَا أجمَلُ العَربية لفظاً ومعنى ، وإنْ تثّاقَلت عليها واشمئزت منها العَرب الحَالية واللاحقَة ، طُوبَى للُغة الضّاد لُغةُ القُرآن ، ولُغةُ الحَديث الشَريف ، ولُغةُ التَفَاسير والتَدَاوينِ والدَوَاوينِ نَاصعةَ البَيَان ، ولُغَةُ هُودٍ وصَالحٍ وشُعيبٍ واسمّاعيلَ ومُحمدٍ خَاتَم الرُسلِ وأعظَمهُم ، ولُغَةِ أهل الجَنّةِ وكفَى ؟؟

شاهد أيضاً

فاتن الصعيدي تكتب.. من يربي أبناءنا؟ حين يغيب البيت يحضر الشارع

عندما يصبح الشارع هو المربي الأول لأبنائنا فلا تلوموا أبناءكم عندما يتغيرون وتتبدل سلوكياتهمنحن أمام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *