كان المشهد مهيبا على الشاشة، مثيرا لمشاعر متناقضة من الحزن والفرح معا، آلاف من النازحين، الرجال والنساء والأطفال والعجائز، يحملون ماخف من أمتعتهم، ويسيرون على أقدامهم لمسافات طويلة، من جنوب غزة إلى شمالها، حيث مدنهم وقراهم في دير البلح والفالوجا وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا وغيرها، يرفعون أعلام فلسطين ويتغنون بأهازيجها المحببة، يشيرون بعلامة النصر وهم يعلمون أنهم عائدون إلى بيوت خربة وشوارع مدمرة، لم تترك لهم صواريخ العدو وقنابله الثقيلة حجرا على حجر.
كان المشهد أشبه بطوفان بشري، لا تكاد تلمح أوله ولا آخره، طوفان العائدين إلى ديارهم التي أخرجوأ منها بغير حق، ودفعوا ضريبة الحرية صابرين محتسبين، هاهم يعودون بوجوه مستبشرة، يشدهم الحنين إلى مسقط الرأس، وكلهم تصميم على أن يبنوا ماتهدم، ويعمروا ما خربت الأيدي الآثمة.
ثم تكرر مشهد طوفان العودة مرات أخرى، مع العائدين من الأسر في المعتقلات الإسرائيلية بمقتضى صفقة التبادل، كان المشهد مهيبا أيضا، حيث تشق الأتوبيسات التي تحمل هؤلاء المحررين طريقها وسط حشود من المواطنين، الذين خرجوا لاستقبالهم كأبطال عائدين من ساحة الحرب، يلوحون لهم بالأعلام وشارات النصر، بينما تنطق حرارة اللقاء بين العائدين وأسرهم بما لا تستطيع الكلمات أن تقوله.
كان من الطبيعي أن يغضب العدو من تلك المشاهد ويطلب منعها، حتى لا يراها الفلسطينيون والعرب والإسرائيليون والعالم أجمع، لما تحمله من رمزية لعودة الفلسطيني المشرد إلى وطنه، ولأنها توقظ في الفلسطيني حلم العودة وتقربه إليه، وتجعله غير مستحيل، وهذه الفكرة وحدها كفيلة بإزعاج المستوطنين الغرباء، وإشعال هواجس الرحيل إلى البلاد التي جاءوا منها، والمنازل التي تركوها في أوروبا وأمريكا، والتي مازالوا يحملون مفاتيحها، مثلما يحمل الفلسطيني مفاتيح بيته في القدس وحيفا ويافا وغيرها.
رأت إسرائيل في مشاهد طوفان العودة استفزازا وجوديا لها، فجاء ردها عن طريقين: الأول تهديد عائلات الأسرى بالاعتقال إذا أبدوا مظاهر احتفالية بأسراهم، والاشتباك مع جحافل المستقبلين لتفريقهم، وتكثيف العدوان على مدن الضفة الغربية، والثاني إقرار الكنيست ـ في قراءة أولية ـ لقانون يسمح لليهود بتسجيل أسمائهم ملاك أراض في الضفة الغربية، كنوع من التمهيد لضم الضفة إلى إسرائيل رسميا خلال فترة الرئاسة الحالية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وزاد من هذا الاستفزاز إبداع المقاومة في إخراج مشاهد تسليم الأسرى الإسرائيليين في وسط غزة، فقد تعمدت تقديم استعراض علني لإظهار مدى قوتها وانضباطها وقدرتها على التنظيم، في رسالة واضحة بأنها مازالت تسيطر على القطاع، وتحتفظ بسلاحها وإمكاناتها، ولديها أجيال جديدة من الشباب القادرعلى حمل اللواء.
ويبدو أن ترامب قد شعر بالاستفزاز هو الآخر من مشاهد طوفان العودة ومهرجانات التسليم، وأراد أن يرد بطريقته الفجة، فدعا فجأة إلى (تطهير) غزة المدمرة، وتهجير أعداد من أهلها إلى مصر والأردن، ولما جاءه الرد من البلدين بالرفض القاطع أخذ يردد في ثقة عبثية أنهما سيفعلان ذلك في النهاية، وأن عليهما تقديم حل بديل للتهجير، وكأنهما هما من صنع الأزمة.
ترامب يتصور أنه سيحقق لإسرائيل بهذه الضغوط مخطط (التهجير) الذي لم تستطع تحقيقه بالسلاح خلال أكثر من 15 شهرافي ساحة المعارك، لكن مصر والأردن، ومعهما السلطة الفلسطينية والعرب جميعا يرفضون هذا التهجير، سواء أكان طوعيا أوقسريا، كي لا تخلو الأرض من أصحابها وتتكرر نكبة 1948، ولديهم رؤية استراتيجية واضحة للحل، قدموها في مبادرات للسلام أكثر من مرة، كان آخرها مبادرة القمة العربية في بيروت عام 2002 التي تقضي بإقامة دولة فلسطينية (حقيقية) على الأرض المحتلة عام 1967، مقابل السلام الشامل والتطبيع الكامل مع جميع الدول العربية والإسلامية، لكن لا أحد في إسرائيل وأمريكا يريد أن يستمع لصوت العقل، ويتصورون أن الالتفاف على القضية الرئيسة بما يسمى السلام الإبراهيمي والتطبيع الجزئي وتهجير الفلسطينيين سوف يحل الصراع ويغلق ملفاته.
التهديد والتهويش لن يجلب السلام لإسرائيل، ولن يحل المشكلة، وعلى ترامب أن يختار أحد السبيلين: إما أن يستجيب لمبادرة حل الدولتين التي يؤيدها العالم، وتؤيدها أمريكا رسميا على الورق، أو يستجيب لنزعات وخرافات اليمين الإسرائيلي المتطرف، وعلى رأسه نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وأمثالهم، الذين لايحملون غير أساطير ونبوءات تلمودية تجلب الحروب والدمار على الجميع.
أما الشعب الفلسطيني فليس أمامه إلا أن يقاوم حتى ينتصر نصرا كاملا، يحرر به أرضه ومقدساته مثلما تفعل كل الشعوب الحرة على وجه الأرض، وقد علمته التجارب ألا يثق في وعود العدو، ولا يهجر أرضه، ينتصر ويعيش فيها كريما مرفوع الرأس، أو يستشهد فيها حرا عزيزا، بينما اليهودي الباحث عن حياة الرفاهية يمكنه أن يجدها في أمريكا أو البرتغال أو فرنسا، أو أي مكان آخر غير إسرائيل، لأنه سيفتقد فيها الأمن والاستقرار طوال عمره.
وقد قدمت معركة طوفان الأقصي بضراوتها، وبامتدادها لأكثر من 15 شهرا، درسا عمليا لتعزيز قيمة الشهادة والشهداء لدى الشعب الفلسطيني، خصوصا أن قادة المقاومة كانوا في الصفوف الأولى للشهداء، وقد رأينا كيف استقبل الفلسطينيون استشهاد محمد الضيف قائد الجناح العسكري مع رفاقه العظام؛ مروان عيسى وغازي أبو طماعة ورائد ثابت ورافع سلامة، ومن قبلهم يحيى السنوار وصالح العارورى وإسماعيل هنية، وكثيرون لانعلمهم الله يعلمهم.
لن تنسى الأجيال الحالية لحظة استشهاد السنوار التي شاء الله تعالى أن يسجلها العدو دون قصد منه، ولن تنسى بيتا من قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي، انتشر انتشارا واسعا بعدما رأوا السنوار يردده في مقطع فيديو ظهر مؤخرا: “وللحرية الحمراء باب .. بكل يد مضرجة يدق”.










