والغائب الحاضر،طيفه يسجنني ويحيطني بقضبان بحلاوة غزل البنات ، استحضر ذكراه ألف مرة في الثانية ،يعيدني لبواكير صباي ،حيث كنت أتجنبه بخفَرٍ فطري أو ربما مرضي ، لم أعد اذكر الآن (كل لحظة منك حلم يردني لصباي الراح )
في أيام الصبا الغابرة ،كنت ارى الكون ضيقا جدا عليّ ،علبة من الصفيح يحرسها جلاد لايشبهني في شيء ،ولاتربطني به إلا أسماء محفورة في شهادة الميلاد، ورثناها معا ،أنا وهو ، العورة والفخر.
يومها وجدتك أمامي ، ينبوع ماء يتدفق ،أتلوى ظمأً ، تتيبس شفتاي ،تذبلان ،لكن كبريائي يرفع عنقه ،أردد ،لا ،لن انحني لأرتشف ،أريد من الينبوع أن يصير مطرا ، يبلل وجهي الشاحب، فتتورد وجنتاي ،يطرّي أهدابي التي جف عليها ملح الدموع .
يهطل على فمي ،يمسح على كبريائي برفق ،يخبرني بأني تحفته وأساوي آلاف النجمات .
اطمئن ،أفتح شفتي المطبقتين عنادا ،ارتشف زخاته ،ارتوي،أرقص تحت المطر،تلتصق ثيابي المبللة بك، بجلدي،أبقى أميرة شامخة ،يطلب المطر ودها، فتفتح له باب الروح والقلب ،لاينبوعا علي أن أكسر ظهر كبريائي كي أغترف منه حفنة ماء سرعان ماتتسلل من بين الأصابع .
أردتك مطرا كي لا أنحني
لم تفهم لغتي حينها
كنت نهرا ،ينبوعا ،محيطا، لا أدري، لكن كان على كل من يريد أن يرتوي برشفة منك أن يقف في الطابور ذليلا، يحمل جرة فارغة ،كي تمن عليه ببعض من فيضك .
فمضيت عطشى ،لاأحب غرور المياه الجارية..
أميرة شحاذة أنا.
أعشق المطر ، المطر حنون ، لايطلب منا أن نقف في الطابور كي يمنحنا بركاته.
لكن روحي جفت في أخر سويعات من رحلة هرولت فيها بقراب خالية، تشكو ظمأ عتيق .
ماعادت ساقاي تحملاني لأقطع صحرائي الشاسعة ..
فقد غشي الظما بصري ، فلا فرق بين الوهم والحقيقة
فالعطاشى يهلوسون يتهيؤون يحلمون،
وفي لحظة وفية من الحياة الخائنة لااعرف كيف جادت بها عليّ ..
وجدتك هناك ،أمامي ،تمتمتُ بصوت من شارف على الموت…
ها قد فهم النهر المغرور لغتي أخيرا !!!
فصار زخات مطر نقية طالما تمنيتها ..
فرميت نفسي تحت وابلك ،بكل ظمأي،بكل حشرجة موتي ،قطيرات منك وسأعود فورا ألى الحياة ..
فانفرجت شفتاي المتيبستان تأملان بطعم غيث حنون ،رحت ادور ادور وأرقص رقصة المطر …
لكني انتبهت من غيبوبتي على وخزة شوكة أدمت كفي..
فوجدتني قد انحنيت ،أبحث بين الأشواك على حافة جرفك ،قدماي تنزفان ،لم أكن اردتي درعا يحميهما ،لقد وثقت فيك ،في المطر ،في حلم قديم يحمل عطرك.
أذن هي لم تكن لحظة وفية من الحياة!!!
فكيف لخائنة أن تغير طبعها!!
أردتك مطرا كي لا انحني..
لكنك نهر أو ينبوع مغرور…
خدعني ظمأي فيه…
فمتُ مكسورة الكبرياء والروح على حافة جرفك.










