والحقيقة أن الأغلبية واضحة في مواقفها، ولم يعد الخداع والكلام الإنشائي يؤثر فيهم، هم يعرفون من يتاجر بالكلام وبآلام الفقراء ومن يعمل من أجلهم. وهم من تحملوا وعلى استعداد للتحمل لأنهم ليس لهم بلدا غير مصر. الذين يتاجرون بمعاناة الناس من قد يفهم تدمر ومعاناة المواطن نتيجة بعض التحديات لكن الأهم هو تغذيه وعيه بالمصارحة حول المسببات والتأكيد على دوره في المشاركة أيضا هي مسؤولية يجب على الإعلام المرئي والمقروء مشاركه الرئيس والشعب في نقلها بأمانة وصدق.
“الفقر والجهل والمرض” عناوين كبير لمعاناة مركبة يعيشها المواطن المصري. ذلك المواطن الذي لم تتح له الدولة تعليماً حقيقياً يرفع عنه الجهل بمفهوم هذا العصر، فقاده الجهل للمعاناة الصحية، ولم تقدم له علاجاً شافياً كافياً يرفع عنه أوجاع المرض، فلم تمكنه أوجاعه من العمل اللائق المنتج الذي يكفيه مذلة الفقر وسؤال اللئيم، ثم أسلمه فقره مرة أخرى لنظام تعليمي لا يسمن ولا يغني من جهل، وحرمه ضعف تعليمه من فرص العمل التي تتطلب تعليم نوعي غير متاح له، فأسلمه ذلك إلى الفقر والمرض، وهكذا تستمر الحلقة المفرغة للبؤس التي يعيشها أعداد ليست بالقليلة من المصريين المهمشين فى الريف والحضر.
وعلى الجهة الأخرى، حاز بعض أصحاب الحظ السعيد على دخول تفيض كثيراً عن حاجتهم وحاجة أسرهم، وتنقّلوا بين مستويات متنوعة من الرفاهية، وتولد لدى بعض منهم قلق وخوف على هذه الرفاهية من الضياع، وبصفة خاصة الخوف من تهديد جيوش الفقراء والمهمشين الناقمين على هذا التفاوت الطبقى، والراغبين في نيل نصيبهم من هذه الرفاهية إما بالطرق الودية أو بالسرقة والعنف. في حين كان ضمير بعض هؤلاء المنعّمين يعكر عليهم استمتاعهم بهذه الرفاهية وهم يشاهدون أعداد البائسين تجول هنا وهناك فيقض المشهد مضاجعهم وينغص عليهم سعادتهم ويقلق حالة السلام النفسي التي يريدون الشعور بها. ورغم محاولة المرفهين علاج تلك الحالة بالانتقال للحياة في تجمعات سكنية راقية وآمنة تعزلهم عن الاحتكاك بالبائسين خلال حياتهم اليومية، ولكن الانعزال ودفن الرؤوس فى الرمال لم يكن ليقضي على هذا التهديد الذي يعكّر الصفو ويكدّر الضمير.
نشطاء التمويل يروجون لكون المشروعات الكبرى ليست مفيدة، والرد عليهم أن المشروعات الكبرى خفضت معدل البطالة وزادت النمو، وفرص العمل للفقراء الذين يتحدثون باسمهم وهم لا يعرفونهم. وعبر التاريخ كانت الطبقات المسيطرة من الأثرياء والإقطاعيين والنبلاء وأبناءهم يتعاملون مع هذه الحالة بعدة طرق، منها ما يتسم بالعنف والوحشية كإشعال الحروب والصراعات الدموية التي يُزج إليها بالبائسين، أو ابتكار القوانين التي يعجز البائسون عن استيعابها أو الالتزام بها فيقعون فى مخالفات تذهب بهم إلى السجون أو القتل باسم القانون، أو بناء القلاع والقصور ذات الأسوار العالية التى لا توصل إليهم صراخ الجائعين ويصعب عليهم اجتيازها. وأما الطيبون الودعاء منهم فابتكروا فكرة العطاء الخيري الذي يحاولون من خلاله جمع التبرعات من القادرين لتوفير التمويل اللازم لتقديم مستوى مقبول من الرعاية وسد الاحتياجات الأساسية للبائسين تضمن تهدئة خواطرهم وسكون ثورتهم، فضلاً عن إشعارهم دائماً بالامتنان والولاء لأصحاب العطاء أهل البر والإحسان.
وفي مصر تم تنظيم الجهود الأهلية فى مجال العطاء الخيري مبكراً تحت مسميات عديدة: كجمعيات المواساة، والمساعي المشكورة، وتحسين الصحة، فضلاً عن الخدمات التى تقدم من خلال مؤسسات دينية إسلامية ومسيحية طورت نفسها مع الوقت واكتسبت شهرة ومصداقية. ومنذ التسعينات بدأت أعداد المؤسسات الخيرية في الزيادة الملحوظة واتسع نشاطها فيما يشبه الظاهرة، منها ما يقدم المساعدات المالية وأغلبها يهتم بتوفير الرعاية الصحية – المعاناة الأكبر لجموع المصريين.
ومع زيادة الوعي بمنظومة حقوق الإنسان والاتجاه لتنظيم المجتمع المدني في مصر وتفعيله زادت المؤسسات المدنية التى لا تكتفي بتقديم المساعدات، ولكنها تهتم بالتنمية والتمكين الاقتصادي للمهمشين من خلال توفير التمويل للتعليم والتدريب ولإنشاء المشروعات متناهية الصغر، سواء من تبرعات القادرين أو من خلال المنح الدولية.
وبينما يردد صانعو الإحباط أن هناك اتجاها للاستغناء عن العمال، تثبت التجارب أن أي عامل لا يمكن لأحد إزاحته من عمله، خاصة في الحكومة لأن الدولة تحميهم والقانون، وبالفعل فإن «الشعب المصري كشف عن قدرة مذهلة في الفهم والفرز، ويمثل ظهيرا شعبيا يحقق توافقًا أقرب إلى الإجماع تجرى محاولات لإضعافه، لكن أحدا لا يؤيد مضطرا بل لأنهم يعرفون الجهد الذى يبذل، الذى فاق خلال عامين ما تحقق خلال عقود، وهو جهد لا يتجاهله إلا الأعمى، ومن فقد البصر والبصيرة.
لقد تم حساب كل خطوة، الفقراء الذين يتاجرون باسمهم من على المقاهي يتم رفع عدد المستفيدين من معاش «كرامة وتكافل» من نصف مليون أسرة حاليًا إلى مليون أسرة في ديسمبر وإلى مليون ونصف خلال العام المقبل، وتم رفع الحد الأدنى لمعاش الضمان الاجتماعي من 50 إلى 125 جنيهًا ومد مظلته لتشمل 2,5 مليون مستفيد بتكلفة 7 مليارات جنيه، هناك مليون شقة إسكان اجتماعي لمليون أسرة بتكلفة 170 مليار جنيه، ومن سيتقدم للحصول على شقة سيحصل عليها، من الذى يقدم للفقراء ومن يتاجر بهم وبآلامهم؟! وقد كان انتشار هذه المؤسسات منذ التسعينات وتناميها من حيث العدد وحجم الأنشطة علامة مجتمعية إيجابية بلا شك، إلا أنها مثلت في المقابل إشارة إلى حجم الفراغ الهائل الذى لم تغطه الخدمات الحكومية، والفجوات الكبيرة التي لم تصل إليها يد الدولة في تقديم خدماتها للمواطنين كماً وكيفاً، وتُركت بالتالي للمبادرات الفردية وللدوافع الأخلاقية للقادرين. لذلك لا عجب أن تبارك الحكومات المتعاقبة هذه الظاهرة وتشجعها حفظاً لماء وجهها وتغطية لعجزها عن توفير التمويل الكافي لتغطية هذا الخدمات من موارد حقيقية، وفشلها فى الإدارة الكفء للمنظومة التي تكفل لجموع المواطنين حقوقهم الأساسية بعدالة وكرامة.
وحالياً لم يعد عمل تلك المؤسسات عمل متطوعين هواة من أصحاب المبادرات المجتمعية، ولكنه صار عملاً احترافياً يديره كفاءات متخصصة ذوو أجور عالية، وتكمن كفاءتهم فى قدرتهم على كتابة وإدارة مشروعات خيرية وتنموية جاذبة لاهتمام الممولين والمتبرعين. بل صارت الكثير من المؤسسات الخيرية الكبرى تستعين بكفاءات قادمة من عالم الأعمال (البيزنس)، يديرون تلك المنظومة بعقلية أقرب لعقلية إدارة المؤسسات الاقتصادية، ولديهم تحليلات وقياسات وأساليب فى الإدارة والتسويق لا تختلف كثيراً عن أساليب إدارة المشروعات الاستثمارية.
وقد كان انتشار هذه المؤسسات التي تدار بهذا الفكر الاحترافي عاملاً مهماً لخلق المزيد من فرص العمل اللائق للكثير من أصحاب المهن، كالأطباء والمهندسين والمعلمين والمدربين والمحامين وغيرها من المهن المساعدة والعمالة الإدارية والفنية. وكذلك أوجدت العديد من فرص الاستثمار، منها شركات مقاولات وإنشاءات عقارية، وتعبئة وتغليف مواد غذائية، وسيارات، وإعادة تدوير مخلفات، وصناعة أدوية، ومعامل أشعة وتحاليل طبية، فضلاً عن زيادة حجم الودائع والمعاملات البنكية، وتنشيط العديد من الصناعات المكملة والمغذية.
و يأتي على رأس فرص الاستثمار التي أوجدها المنحى الاحترافي فى إدارة هذه لمؤسسات، الاستثمار فى مجال الدعاية والإعلان والعلاقات العامة. فربما يغيب عن كثير ممن يتابعون إعلانات التبرع للمؤسسات الخيرية والعلاجية، أن هذه الحملات الإعلانية تديرها شركات دعاية وإعلان وعلاقات عامة متخصصة، تتوجه هذه الشركات إلى المؤسسات الخيرية أو العلاجية غير الهادفة للربح، وتتفق معهم على أن تتولى تصميم وإدارة حملة إعلانية مكثفة مع التركيز على المواسم الدينية كشهر رمضان وغيره، على أن يحصلوا على استثمارهم كنسبة من حجم التبرعات التي استطاعوا استقطابها لتلك المؤسسات.
أفاد هذا الأمر المؤسسات الخيرية والعلاجية كثيراً من خبرات واحترافية شركات الدعاية، وجذب لبعضهم قدر هائل من التمويل يقدر في بعض الأحيان بمئات الملايين لم يكن ليتحقق لهم لولا هذه الحملات الاحترافية، إلا أنه من ناحية أخرى قد بدّل الصورة الذهنية عن المؤسسات الخيرية غير الربحية من كونها مؤسسات مترفعة متسامية تعتمد على تبرعات أصحابها وأعضاءها ودوائر معارفهم في الأساس، ولا تستند إلا إلى المبادرات والنوازع الطبيعية الفطرية لدى أهل الخير، إلى كونها مؤسسات شرهة للأموال لا تتورع عن استجداء واستدرار المشاعر والابتزاز العاطفي بأساليب قد تكون غير راقية في بعض الأحيان، كما أنها قد تستخدم لإعادة تدوير سمعة بعض الشخصيات العامة ذوي الخطايا الأخلاقية أو ذوي التوجهات والأجندات السياسية أو أصحاب المصالح الاقتصادية بإظهارهم فى حملاتها في صورة المحرضين على الخير، الداعمين له.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










