في لحظات معينة من التاريخ تتحول الشعوب إلى بوصلات وتصبح قراراتها أكثر تعبيرا عن مصير الإقليم من جيوش كاملة. هكذا كانت مصر في 30 يونيو 2013. لم يكن المشهد مجرد احتجاج شعبي ضد جماعة حاكمة بل كان إعلانا شعبيا بأن مصر لن تُختطف، لا باسم الدين، ولا تحت لافتات زائفة للحرية.
اليوم بعد اثني عشر عاما على تلك اللحظة الفارقة ، تقف مصر مجددا على مفترق طرق ، لكن بشكل أكثر تعقيدا وأكثر نضجا أيضا. هذه المرة لا يحمل المواطن لافتة بل يحمل وعيا. لا يُلوح بقبضته بل يراقب المشهد الإقليمي والدولي ويقارن ويتأمل ويتخذ موقفا هادئا لكنه صلب… وهذا هو الفارق.
المنطقة تغلي. إسرائيل تغرق في أزمات وجودية ، من المقاومة الفلسطينية المتطورة في غزة، إلى حركات الاعتراض المتصاعدة في شوارع تل أبيب إلى ارتباك في الحسابات الإستراتيجية مع واشنطن والعالم. وفي المقابل إيران تلعب أوراقها في العلن والظل ، عبر الميليشيات وحروب النيابة، وتكتيكات الردع الخشن.
وفي قلب هذه المعادلة تقف القاهرة.
لكن مصر اليوم ليست مصر المرتبكة كما كانت في بعض فترات ما قبل 2011 ولا حتى كما حاول البعض تصويرها بعد 2013. الدولة التي واجهت إرهابا استهدف كيانها، وتحديات اقتصادية عالمية متعاقبة، واستطاعت الحفاظ على استقرارها الأمني والاجتماعي، تُدرك تماما أن معركة البقاء لم تنته بل تتجدد بأشكال مختلفة.
الوعي الشعبي الذي صنع 30 يونيو أصبح اليوم أكثر نضجا. المواطن العادي بات يعرف جيدا أن ما يدور حولنا ليس بعيدا عن لقمة عيشه، أو أمن أسرته، أو سلامة شوارع بلده. لم تعد السياسة مادة حصرية للنخبة بل تحوّلت إلى واقع معاش تتابعه الأسر على المقاهي وفي البيوت ، وتدرك أن كل انفجار في المنطقة وكل صفقة في الكواليس لها ارتداداتها المباشرة على الداخل.
ولعل أبرز ما يميز اللحظة الراهنة هو أن مصر في الوقت الذي تُحاط فيه بدوائر نار من ليبيا إلى السودان، ومن غزة إلى البحر الأحمر، اختارت ألا تنجرّ إلى الفوضى بل تمارس دورها التاريخي كضامن للاستقرار، وصانع للتوازنات. لا تُطلق رصاصا لكنها تُطلق مبادرات وتُقدّم رؤى وتُرسل رسائل سياسية لا تقل قوة عن المدافع.
لكن الحفاظ على هذا الدور لا يتم بالحياد بل بالحكمة الفعّالة. فبينما تخوض قوى إقليمية معارك النفوذ بصخب تمضي مصر في هدوء صلب نحو استعادة مكانتها كمرجعية سياسية للعرب ومركز توازن في الشرق الأوسط. والرهان هنا لم يعد على الجغرافيا فقط بل على الوعي العام.
نعم قد لا نرى ميادين تمتلئ أو هتافات تملأ الشوارع.كما في 30 يونيو 2013. لكن الاختبار اليوم أخطر.لأنه اختبار الوعي لا العاطفة. اختبار القدرة على التمييز بين الشعارات والمصالح بين من يحرك الساحات ليهدم، ومن يبني في صمت.
المثير أن خصوم مصر يدركون هذا التحول. ولهذا يعيدون تدوير أدواتهم: إعلام مضلل حملات إلكترونية، تحريض ممنهج تشكيك في كل منجز. وهم يعرفون أن “30 يونيو” جديدة لن تأتي على ظهور الشاحنات أو عبر موجات الإنترنت بل ستولد من إدراك جمعي بأن بقاء الدولة أولا واستقرارها ليس ترفا بل هو الشرط الوحيد لأي حرية حقيقية وأي إصلاح دائم.
ربما آن الأوان لإعادة تعريف مفهوم “الثورة” في الوعي الجمعي. فالثورة الحقيقية الآن ليست إسقاط أنظمة بل إسقاط مفاهيم مغلوطة. ثورة ضد الاستسهال ضد الاصطفاف الأعمى ضد التسليم بأن المنطقة محكومة بالتطرف أو الفوضى. الثورة الآن هي أن نحمي وطنا ، لا أن نهدمه بحثا عن وهم أكبر.
وهكذا يبدو أن 30 يونيو لم تكن لحظة وانتهت بل كانت بداية متجددة لاختبار دائم للوعي.
وها نحن الآن في منتصف 2025 نعيش فصلا جديدا من هذا الاختبار.
فمن سينجح؟
من يرى أبعد من المانشيت ويقرأ بين السطور؟
من يدرك أن الحرب قد لا تكون على الأرض فقط بل على العقول؟
ومن يختار أن يكون شاهدا على سلام مصر ، لا شريكا في فوضى تُرسم لها خارجيًا؟
الجواب… في وعيك أنت.










