بينما كانت إيران تحتفل بالانتصار كانت إسرائيل تجمع أشلاء مقاتليها في خان يونس بقطاع غزة، فلم تترك لها المقاومة استراحة تلتقط فيها أنفاسها الخبيثة، ووجهت لجيشها ضربة موجعة في كمين مركب قتلت فيه ضابطا وستة جنود داخل دبابتين اشتعلت فيهما النيران لأكثر من ساعتين، كما أصابت 16 آخرين في الهجوم على قوة الإنقاذ التي حاولت الوصول إلى الدبابتين المحترقتين، وكانت هذه الضربة (النموذجية) أشد إيلاما على الإسرائيليين من تدمير الصواريخ الإيرانية لتل أبيب وحيفا في حرب الـ 12 يوما، فقد ذكرتهم بأفران الغاز، وجددت عليهم أحزان ومخاوف المحارق الجماعية، ووصف مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ما حدث بأنه “أصعب يوم في تاريخ الشعب الإسرائيلي”.
وكبدت عملية خان يونس وما تلاها من هجمات المقاومة خسائر فادحة لجيش الاحتلال، وطرحت على الإسرائيليين تساؤلات بشأن جدوى العمليات البرية في مناطق مكتظة ومعقدة جغرافيا، وكشفت لهم عن قدرة المقاومة على تنفيذ كمائن دقيقة ومباغتة، الأمر الذي أثار صدمة سياسية وعسكرية داخل إسرائيل، ليس لكثرة عدد الضحايا فحسب، ولكن أيضا لأن الأحداث تناقض رواية حكومة نتنياهو بأن قدرات الجيش الهائلة التي ظهرت في الحرب مع إيران سوف تنعكس على ميادين الحرب في غزة فتشل حركة المقاومة وتصيبها باليأس والإحباط.
وخرجت تصريحات لسياسيين وعسكريين إسرائيليين معبرة عن هذه الصدمة فيما يشبه الإجماع على أن الوضع في غزة صعب ومؤلم، والمعارك ضارية والعبء لايحتمل، ولابد من إنهاء الحرب عبر اتفاق سياسي وأمني إقليمي، ورفض هذا الاتفاق يضر بالأمن القومي لإسرائيل، وكانت تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس الأحد الماضي هي المفاجأة الحقيقية في هذا الصدد، فقد أكد أن الجيش حقق جميع أهدافه في غزة ولم يتبق شيء لفعله، وبقاء القوات في القطاع بدون أهداف مستقبلية واضحة يعرض حياة الجنود للخطر.
وأقر وزراء إسرائيليون آخرون بتعثر العمليات العسكرية في غزة، وبأن الحرب تحمل تصورات نظرية لكنها عمليا لا تحقق نتائج، ومن ثم فهناك حاجة ضرورية للقيام بفعل آخر على المستوى العسكري أو السعي إلى إنهاء الحرب وإنجاز اتفاق، إذ لم يعد في الإمكان إنكار أن الإسرائيليين قد أرهقوا من جبهة غزة.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد تواترت تصريحاته بشأن ضرورة إنجاز اتفاق شامل خلال أسبوع لإنهاء الحرب في غزة وليس مجرد هدنة مؤقتة، وأن الحرب استنفدت أهدافها وأصبح واجبا استعادة الأسرى على وجه السرعة، وكتب ترامب عبر منصته (ترو سوشيال): ” اعقدوا صفقة غزة وأعيدوا المحتجزين”.
وقد تزامنت هذه التصريحات مع تظاهرات أهالي الأسرى في العديد من المدن الإسرائيلية لمطالبة ترامب بالتدخل على وجه السرعة وإجبار نتنياهو على وقف مماطلاته وقبول صفقة تنهي الحرب وتعيد أبناءهم، وفي نظر كثير من المحللين تعد التصريحات والتظاهرات تمهيدا للعودة إلى طاولة المفاوضات، وعتبة أولى تفتح الباب أمام نتنياهو لقبول الاتفاق الذي لم يكن يستطيع قبوله من قبل.
والحقيقة أن نهاية الحرب بين إسرائيل وإيران أحدثت تحولا متناميا داخل إسرائيل نحو قناعة بأن الحرب في غزة رغم ما تحدثه من قتل وتدمير في الجانب الفلسطيني صارت عبئا سياسيا واقتصاديا وعسكريا ثقيلا على الإسرائيليين لا يخدم إلا بقاء نتنياهو في السلطة، ودفعت كتابا ومحللين إسرائيليين إلى أن يطرحوا علنا فكرة “صفقة داخلية”، تقضي بإنهاء محاكمات نتنياهو المحلية مقابل إنجاز اتفاق في غزة وتفكيك تحالفه مع الصهيونية الدينية سعيا إلى تشكيل حكومة وسطية جديدة، وهو ما ينسجم مع رغبة أميركية في إنهاء الحرب وتهيئة المشهد السياسي الإسرائيلي لمسارات تطبيع جديدة، تقتضي تقليص نفوذ الأحزاب الدينية بتسوية سياسية مقابل خروج آمن لنتنياهو من المحاكمة.
وتشير صحيفة (ها آرتس) الإسرائيلية إلى أن هناك قطاعات داخل حزب (الليكود) الذي يتزعمه نتنياهو صارت تعارض الحرب بشكل غير معلن، نظرا لتزايد الخسائر البشرية واللوجستية على الجيش الإسرائيلي يوميا وتراجع معدلات الإنتاج وتآكل الثقة في المؤسستين العسكرية والسياسية، وهو ما أسهم في خلق حالة استنزاف تؤثر في القرار السياسي، ودعا ترامب إلى التدخل لحماية نتنياهو من المحاكمة، في إطار تسوية داخلية مطلوبة بشدة تنهي الحرب وتفتح الباب لتوسيع “اتفاقيات أبراهام” في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل تظل المقاومة الفلسطينية الرقم الأصعب في هذا السياق، فمازالت تدير المعركة بثقة وتماسك رغم ارتفاع معدل الشهداء في غزة يوميا، ولم تبد استعدادا لتقديم تنازلات عن الثوابت السياسية التي تتبناها منذ بداية الحرب، والتي تتمثل في وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من القطاع، ورفع الحصار عن غزة، وتنفيذ صفقة تبادل أسرى.
وأثبتت العمليات الأخيرة أن المقاومة لا تزال تمتلك القدرة على المبادرة والعمل الميداني، وأن بنيتها العسكرية لا تزال متماسكة رغم القصف المكثف والظروف القاسية، وهذا ما يربك حسابات الاحتلال ويمنعه من تحقيق أي إنجاز إستراتيجي.
ويبدو أن الحرب مع طهران أحدثت تأثيرا غير مباشر لصالح المقاومة على عكس ما أرادت إسرائيل التي توهمت أنها ستخرج من الحرب وهي قادرة على فرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط، لكنها منيت بخسائر كبيرة، أبرزها فشل أنظمتها الدفاعية وانكشاف هشاشتها، الأمر الذي استدعى تدخلا أمريكيا مباشرا ينفذ ما لم تستطع تنفيذه، ويحفظ لها ماء وجهها.










