يرتكز على ضرورة تحقيق التوازن بين حقوق المالكين والمستأجرين، مع مراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي للأزمة. بالتأكيد سيواجه المستأجرين بنظام قانون الإيجار القديم تحدٍ كبير خاصة أمام التعديلات المطروحة، خاصة إذا ما وضع بالاعتبار المستوى الاجتماعي لبعض من قاطني تلك العقارات، وهو ما يتطلب استحداث برامج دعم اجتماعي للمتضررين من تعديلات قانون الإيجارات؛ الأمر الذي يسهم في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي؛
حيث يساعد هذا الدعم على تخفيف الأعباء المالية الناجمة عن زيادة الإيجارات أو التكاليف السكنية، نلتزم الدولة للمستأجرين بتوفير مساكن بديلة تتناسب مع قدراتهم المالية؛ مما يقلل من احتمالية تعرضهم للإخلاء القسري أو التشرد.
يهدف القانون الجديد إلى إنهاء حالة الجمود في العلاقة الإيجارية، مع الحفاظ على حقوق المستأجرين وضمان عدم تشريدهم، ووضع آليات لزيادة الإيجارات بشكل تدريجي وعادل، مع توفير بدائل سكنية لمن لا يستطيعون تحمل التكاليف.
وفي ظل سعي الدولة المصرية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وحماية الفئات ذوي الدخل المحدود خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة للكثير من المواطنين والتي عانت منها مصر بعد الدخول في حربين في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي؛ الأمر الذي تسبب في انخفاض في فرص العمل وارتفاع البطالة، والارتفاع في معدلات التضخم والنقص الملحوظ في توافر الاحتياجات من المواد الأساسية، والتغير في السياسات الاقتصادية للبلاد ،
وهو ما كان له أثر في ارتفاع أسعار السلع الأساسية ومواد البناء ودفع الحكومة لمحاولة التحكم في أسعار الإيجار كوسيلة لحماية المستهلكين من الارتفاع المتزايد في تكاليف المعيشة.
كل تلك العوامل كانت سببًا ودافعًا قويًا وراء وضع قوانين صارمة تتمثل في قانون الإيجار القديم الذي تم وضعه لضمان توفير السكن بأسعار معقولة وحماية المستأجرين من الارتفاعات المفاجئة أو غير المبررة في القيم الإيجارية، بهدف حماية المستأجرين وتثبيت أسعار الإيجارات حتى لا يصبح السكن عبئًا كبيرًا على الأسر متوسطة ومحدودة الدخل، خاصة في ظل حالة عدم التوازن بين العرض والطلب على الوحدات السكنية.
أصدرت المحكمة الدستورية العليا في نوفمبر 2024 حكمًا تاريخيًا بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادتين الأولى والثانية في قانون الإيجار القديم الصادر في عام 1981، وقد تضمنت تلك المواد ثبات القيم الإيجارية السنوية للأماكن المرخص إقامتها لأغراض سكنية، ودعت مجلس النواب إلى تعديلها قبل انتهاء الفصل التشريعي الحالي،
وقد استند الحكم إلى حيثيات تتمثل في أن “ثبات القيم الإيجارية عند لحظة من الزمان ثباتًا لا يزايله مضي عقود على التاريخ الذي تحددت فيه، ولا تؤثر فيه زيادة معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية لقيمة الأجرة السنوية – يشكل عدوانًا على قيمة العدل وإهدارًا لحق الملكية”؛ حيث حدد القانون سقفًا لزيادة الإيجار السنوي عند 7% من قيمة الأرض عند الترخيص، والمباني طبقًا للتكلفة الفعلية وقت البناء. في البداية – هذا الحكم ليس مجرد قضاء بعدم دستورية نص قانوني، بل إعادة هيكلة لمفهوم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ودعوة صريحة للمشرّع المصري للتدخل، والهدف هو وضع إطار تشريعي جديد يحقق العدالة بين الطرفين،
ويعكس المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها السوق العقاري خلال العقود الماضية، بعد أن تسببت التشريعات الاستثنائية في تشوهات اقتصادية واجتماعية عميقة لطالما أدت قوانين الإيجار القديم إلى خلل واضح في سوق العقارات، حيث أبقت الإيجارات عند مستويات متدنية للغاية، لا تتناسب مع معدلات التضخم المتزايدة، وهذا الأمر تسبب في إضرار كبير بالملاك، ودفع العديد منهم إلى العزوف عن تأجير وحداتهم العقارية أو اللجوء إلى وسائل غير رسمية لزيادة قيمة الإيجار، مما أدى إلى جمود في السوق،
وحكم المحكمة الدستورية العليا جاء ليعيد الاعتبار لمبدأ العدالة التعاقدية وحق الملكية، ومع أن الحكم وضع حدًا لهذا الخلل، إلا أنه ترك فراغًا تشريعيًا يستوجب تدخلًا عاجلًا لتفادي ارتباك السوق العقاري وضمان انتقال سلس ومنصف لكل من المؤجرين والمستأجرين
لم يكن هذا الحكم الأخير هو التدخل الوحيد من المحكمة الدستورية العليا لتصحيح التشريعات الخاصة بالإيجار، فقد سبق أن أصدرت عدة أحكام تاريخية ساهمت في تعديل العلاقة بين الطرفين، وأبرزها –-الحكم رقم 48 لسنة 17 قضائية دستورية: قضى بعدم دستورية الامتداد القانوني لعقود الإيجار للأشخاص الاعتبارية، مما أعاد للملاك حق استرداد عقاراتهم التي كانت مشغولة من قبل الشركات والمؤسسات الاعتبارية بشكل غير عادل.
-الحكم رقم 33 لسنة 26 قضائية دستورية: ألغى ثبات الأجرة السنوية للمحال غير السكنية، مما سمح بإعادة تقييم الإيجارات وفقًا للمتغيرات الاقتصادية، ومنح أصحاب العقارات التجارية حق الاستفادة العادلة من ممتلكاتهم. وقد أدت هذه الأحكام إلى صدور القانون رقم 6 لسنة 1997.
-الحكم رقم 177 لسنة 22 قضائية دستورية: ألغى بعض القيود المفروضة على التصرف في العقارات المؤجرة، مما أعاد حرية الملاك في إدارة ممتلكاتهم، بما في ذلك البيع والتأجير وفقًا لاحتياجات السوق العقاري.
تلك العقارات المؤجرة تواجه تحديات قانونية وتنظيمية عديدة تتمثل في ضعف القيمة الإيجارية؛ حيث يثبت القانون القديم للإيجارات بمصر الإيجارات عند قيم منخفضة لا تعكس التغيرات في قيمة العقارات أو التضخم؛ مما يؤدي إلى فقدان العقارات لقيمتها الاقتصادية وانخفاض العوائد للملاك، وهو الأمر الذي لا يحقق التوازن بين حقوق المالك والمستأجر؛
حيث يميل القانون القديم إلى حماية المستأجر بشكل مفرط؛ مما يؤدي إلى تقويض حقوق الملاك في التصرف الحر بعقاراتهم، سواء عبر بيعها أو تعديل استخدامها، هذا فضلًا عن إتاحة القانون القديم التوريث التلقائي للعقود؛ حيث يسمح القانون بتوريث عقود الإيجار من المستأجرين إلى أفراد أسرهم؛ مما يؤدي إلى استمرار الأوضاع غير المتوازنة لفترات طويلة، ويمنع السوق من تجديد العقود بأسعار عادلة، بالإضافة إلى التحديات القانونية في الإخلاء؛
حيث إن القانون القديم يصعب على الملاك إخلاء المستأجرين بسبب الشروط المعقدة والإجراءات القضائية المطولة؛ مما يثني المستثمرين عن الدخول في السوق العقاري القديم، وتدهور حالة العقارات؛ حيث إنه بسبب انخفاض العوائد، لا يملك الملاك الموارد الكافية لصيانة العقارات أو تحسينها، ولا يرغب المستأجرين في الإنفاق على المصروفات الخاصة بعملية الصيانة للعقارات بحكم أنهم ليسوا ملاكًا؛ مما يؤدي إلى تدهور البنية التحتية.
تحديات أخرى تواجه ذلك القانون تتمثل في التحديات الإدارية والتي تتمثل في نقص آليات المراقبة والتقييم لتحديد حالات العقارات وقيم الإيجار المناسبة. كما أن البيروقراطية تعيق إصلاح الوضع القانوني للعقود القديمة، والأثر السلبي لذلك القانون (قانون الإيجار القديم)
في جاذبية القطاع العقاري للاستثمار المحلي والأجنبي؛ حيث يفضل المستثمرون عقود الإيجار الجديدة التي توفر مرونة في التفاوض، وزيادة العبء القضائي المرتبط بالفصل في المنازعات المرتبطة بالقانون القديم في زيادة عدد القضايا في المحاكم؛ مما يؤدي إلى استنزاف الوقت والموارد.
إضافة إلى ذلك، يُعزز الدعم من استقرار الأسر ذات الدخل المحدود، ويسهم في تحسين جودة حياتهم من خلال تأمين بيئة سكنية أكثر استدامة وملاءمة، على الجانب الآخر، يعزز الدعم الحكومي والاجتماعي للمستأجرين من ثقة المواطنين في العدالة الاجتماعية
ودور الدولة في حماية الفئات الأكثر تضررًا. ويؤدي ذلك إلى تقليل التوترات المجتمعية التي قد تنتج عن التعديلات القانونية؛ حيث يشعر الجميع بأن حقوقهم محمية وأنهم ليسوا معرضين للإهمال.
كما يسهم في خلق علاقة أكثر توازنًا بين المالك والمستأجر؛ مما ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع وتحقيق التكافل الاجتماعي.
وافق مجلس النواب خلال جلسته العامة اليوم، الأربعاء برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي، نهائيًا على مشروع قانون مُقدم من الحكومة بشأن بعض الأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر المعروف باسم الإيجار القديم.
ومن أبرز ملامح مشروع قانون الإيجار القديم
– تقرير فترة انتقالية مناسبة قبل إنهاء عقود الإيجار القديم، وذلك بواقع 7 سنوات بالنسبة للأماكن المؤجرة لغرض السكنى، و(5 سنوات) بالنسبة للأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى، وإلزام المستأجر بإخلاء المكان المؤجر ورده إلى المالك بانتهاء الفترة الانتقالية، مع النص صراحة على إلغاء كافة قوانين الإيجار القديم بعد انتهاء هذه الفترة الانتقالية.
• إنهاء عقود الإيجار القديم وتحرير العلاقة الإيجارية بحيث تصبح جميع عقود الإيجار خاضعة لأحكام القانون المدني وفقا لإرادة الطرفين، وذلك بعد انتهاء الفترة الانتقالية المحددة بالقانون.
• زيادة القيمة الإيجارية القانونية للأماكن المؤجرة لغرض السكنى في المناطق المتميزة بواقع (عشرين) مثل القيمة الإيجارية القانونية السارية وبحد أدنى مبلغ مقداره (1000 جنيه)، وبواقع (عشرة) أمثال القيمة الإيجارية السارية للوحدات الكائنة بالمنطقتين المتوسطة والاقتصادية وبحد أدنى مبلغ مقداره (400 جنيه) في المناطق المتوسطة، و(250 جنيها) للوحدات الكائنة في المناطق الاقتصادية.
• زيادة القيمة الإيجارية القانونية للأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى بواقع (5 أمثال) القيمة الإيجارية الحالية.
• زيادة القيمة الإيجارية (للأماكن المؤجرة لغرض السكنى ولغير غرض السكنى) خلال الفترة الانتقالية بصفة دورية سنوياً بواقع (15%).
• تشكيل لجان حصر في نطاق كل محافظة تختص بتقسيم المناطق التي بها أماكن مؤجرة لغرض السكنى الخاضعة لأحكام هذا القانون إلى مناطق (متميزة ومتوسطة واقتصادية) وفقا لعدة معايير من بينها الموقع الجغرافي ومستوى البناء والمرافق المتصلة بالعقار وشبكة الطرق ووسائل المواصلات والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية المتاحة، وتحديد القيمة الإيجارية المستحقة بناء على هذا التصنيف، على أن تنتهي هذه اللجان من أعمالها خلال (3 شهور) من تاريخ العمل بالقانون.
• استحداث حالات تجيز للمالك أو المؤجر المطالبة بإخلاء العين المؤجرة بخلاف الحالات الواردة بقوانين الإيجار القديم، وذلك إذا ثبت ترك المستأجر أو من امتد إليه عقد الإيجار المكان المؤجر مغلق لمدة تزيد على سنة دون مبرر، أو إذا ما ثبت أنه يمتلك وحدة سكنية أو غير سكنية بحسب الأحوال قابلة للاستخدام في ذات الغرض المعد من أجله المكان المؤجر.
• منح المستأجرين الخاضعين لأحكام هذا القانون قبل انتهاء عقودهم أحقية فى تخصيص وحدة سكنية أوغير سكنية، إيجاراً أو تمليكًا، من الوحدات المتاحة لدى الدولة، وذلك بطلب يقدمه المستأجر أو من امتد إليه عقد الايجار مرفقًا به إقرار بإخلاء وتسليم العين المستأجرة فور صدور قرار التخصيص واستلام الوحدة، على أن تكون الأسبقية فى التخصيص للفئات الأولى بالرعاية.
• إلزام الدولة حال إعلانها عن وحدات تابعة لها سكنية أو غير سكنية، إيجاراً أو تمليكًا ، خلال الفترة الانتقالية بأن تكون الأولوية في التخصيص للمستأجر أو من امتد إليه عقد الإيجار، بمجرد تقدمه بطلب مرفقًا به إقرار إخلاء الوحدة المستأجرة، على أن يُراعى في الأولوية حال التزاحم طبيعة المنطقة التى بها الوحدة المستأجرة
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










