هل من العيب أن نعترف بأننا تعبنا ؟!!.
أنا أعترف بأنني تعبت ، أقولها بملء الفم جهرا ، لا همساً ولاخجلا !!.
لم أتعب من المسؤولية أبدا ، ولم أتنصل منها يوما ، ولم أهرب ، بل كنت أستمتع بحملها ، وأطلب منها المزيد ؛ فالمسؤولية في نظري هي مقياس الرجولة والشرف !!.
لم أتعب من جلاء الحقيقة ، ولا من حمل شعلة التنوير الصادق الخالي من الهوي والغرض ، ولا من مُناصرة الحق كما أراه ، ولا فضح الزيف مهما علا ضجيجه ، وكثر ناصروه !!.
لكنني تعبت من أثقال أخري كثيرة !!.
تعبت من شَدّ حبل الوصال ، مع الأحبة والأصدقاء والأهل والخِلان ، كلما ارتخي ، وهم لاهون عابثون ، لايدرون بما يجري ليديا المُتشبثة بحبل وصالهم ، وقد رأوا النزف فيها ، وعاينوا الدماء تغرقها ، والجراح تأبي أن تلتئم ، أو تتخثر !!.
تعبت من حمل الكثيرين علي كتفي ، والسير بهم سنوات العمر ، أقطع ودياناً ، وأصعد جبالاً ، وأعبر سهولاً ، وأسبح في ماء آسن ، وأخوض بحاراً وصحاري ، وكلما أبديت بعض التعب ، لاموني ، أو أظهرت بعض النَصَب ، جحدوني ، وإذا ما طلبت قِسطاً من الراحة ، التقط فيها أنفاسي ، أنكروا عليّ كل مافعلته لخاطرهم ، وعندما وصلوا إلي الشاطئ ، تلفت حولي فلم أجد أحداً منهم !!.
تعبت من تلاميذ صنعتهم بيديا ، فلما صاروا كباراً ، لست أدري هل ضرب سوس الندالة ضمائرهم ، أم غرقوا في بِركة العقوق والنكران ، أم أنهم منذ البداية كانوا سرابا !!.
تعبت من كثرة الوفاء لكل الذين عرفتهم ؛ منحتهم كل الورود التي كانت تملأ سلتي ، لَضمتُ من نبضات قلبي مِسبحة بطول العمر ، وأهديتها لهم ، صنعتُ من دموعي أساور تُزيّن مَعاصمهم ، وصُغتُ من أنفاسي عقد لؤلو طوقت به أعناقهم ، فلا شكروا ولا اعترفوا ولا امتنوا !!.
تعبت من طول القبض علي الجمر ، وضيق ثوب الصبر ، ومن لوعة الصدود والهجر ، ومن الإخلاص حتي القهر ، ومن العطاء دونما ثناء أو شكر !!.
أعترف بأنني تعبت !!.
تعبت من جدالات عقيمة ، ونقاشات سقيمة ، وطعنات أليمة ، واتهامات ذميمة ، وأصوات نكرات دميمة !!.
تعبت من جدوي مانقول ، ومن ضيق العقول ، فكلما بنينا صرحاً جرفته السهول !!.
تعبت من الضجيج الذي يجلب الصَمم ، ومن تربع التافهين علي القِمم ، وخراب الذمم ، وهُزال الهِمم ، وعلوّ شأن الرِمم ، وانحدار القيم ، ومن صنم يتعبد في صنم ، ومن ظالم هو الخَصم والحَكم ، ومن ضلالاتٍ سارت مَسري الحِكم ، ومن جدوي الحروف والكَلم ، ومن أمةٍ فاجرة تقهر باقي الأمم !!.
أعترف بأنني تعبت ، وأشعر أن شمس الغروب قد لاحت علي الروح المُتعَبة أسفا ، فهل صارت الأحداث أقوي من احتمالنا ، أم نحن الذين صرنا أضعف من مواجتها !! .










