كتبت سامية الفقى
الأمثال الشعبية مرايا صغيرة نرى فيها انعكاس ثقافتنا، وعندما نقول: “اقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها” فنحن لا نصف حالة طهي، بل نصف توريث الطباع والسلوك، وكأن الجينات لا تنحصر في الشكل فقط، بل تمتد إلى اللسان والمزاج وطريقة الضحك والغضب وحتى «الرد الجاهز».
لكن دعونا نأخذ خطوة للخلف، نحو تفسير مثل شعبي آخر أقل شهرة، لكنه لا يخلو من الدهشة.
في بعض مناطق الصعيد، كانت الأم إذا أرادت من ابنتها أن تصعد إليها فوق السطح، لا تنادي بصوت مرتفع كما جرت العادة، فـ”صوت الأم ما يعلاش” – على حد قولهم – وخاصة إذا كانت تنادي على البنات. فكان الحل الشعبي الذكي هو أن تقلب قدرة (أو صفيحة) على فمها وتنقر عليها بيدها، فيصدر صوت معدني مميز تعرفه البنت جيدًا، فتفهم أن أمها تناديها، فتصعد فورًا.
ومن هنا – كما يُروى – خرج المثل الشعبي: “اقلب القدرة على فمها، تطلع البنت لأمها”، في إشارة مباشرة وعملية لتلك العادة اليومية.
لكن الحقيقة أن هذا التفسير، رغم شاعريته، لا يغيّر من استخدام المثل في معناه الأكثر تداولًا:
أن البنت، مهما حاولت أن تكون مختلفة، ستظل في طبعها وميلها وصراحتها، بنت أمها، لا تنفصل عنها كما لا ينفصل الماء عن رائحته.
في النهاية، سواء كان المثل قد نشأ من عادة نقر الصفيحة أو من ملاحظة توريث الطباع، يبقى شاهدًا حيًا على عبقرية التعبير الشعبي المصري…
وقُدرة الكلام أحيانًا أبلغ من أى قدرة طهي.










