كان نتنياهو شخصيا خلف كل جرائم الحرب التي اقترفها الجيش الإسرائيلي في غزة، ونال بسببها مذكرة اعتقال دولية. وقد خاض حربه في غزة تحت سلسلة طويلة من المسميات بدأت بـ”حرب القيامة” و”السيوف الحديدية”، ولم تنته بعد بـ”عربات جدعون”، من دون أن تحقق الغايات الأساسية لها. وكان في مقدمة هذه الغايات تهجير سكان قطاع غزة بعد تدمير كل مقومات الحياة فيه، وفي نهايتها إعادة الأسرى الإسرائيليين وتدمير سلطة حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
ورفض على الدوام كل حديث عن “اليوم التالي” محتفظا لنفسه بسر ما يتطلع إليه، تاركا للمتطرفين قول ما يشاؤون. ولكن لم تأت الرياح بما تشتهي سفن نتنياهو. ففي نظر الإسرائيليين، ورغم التدمير الشامل لغزة ومنهج الإبادة الجماعية لشعبها،
فإن أهلها تحملوا من أجل البقاء فيها ما لا يحتمله بشر، كما أن مقاومتها بأشكال مختلفة ظلت قائمة. ولم يكن شموئيل روزنر -في صحيفة معاريف- وحيدا في الإقرار بمرارة “الاعتراف بأن حماس -حتى لو ضعفت، حتى لو عُزلت، حتى لو كانت بلا موارد- لا تزال صامدة؛ مُترنّحة، مُتزنة، لكنها صامدة. ولا مفرّ من ذلك: إنها حقًا مرارةٌ مُرّة”.
وهذا ما أغضب نتنياهو والعديد من وزرائه في اجتماع الكابينت الأسبوع الفائت عندما نوقشت الخيارات والأثمان. فقيادة الجيش وضعت حكومة نتنياهو أمام خيار التوصل لاتفاق مع حماس لإعادة الأسرى بوصفه خيارا أفضل من إعادة احتلال القطاع، مما سيؤدي إلى قتل الأسرى وإلى خسارة إسرائيلية بشرية واقتصادية كبيرة. وطلب الجيش، في حال إقرار احتلال غزة، تجنيد 5 فرق عسكرية، وهو ما يشكل عبئا كبيرا على الاقتصاد الإسرائيلي.
خطة ترامب- نتنياهو تحمل في ظاهرها وعودا براقة: وقف الحرب وفتح طريق نحو السلام. لكن تحت هذه الواجهة الإنسانية، تختبئ بنود تحمل في طياتها مخاطر سياسية جسيمة، حيث يُخلط بين الإغراء والتفريط.
أولا، وقف فوري لإطلاق النار يقدم كمدخل إنساني لوقف نزيف الدم في غزة، لكنه مشروط بخطوات لاحقة تجعل منه هدنة اختبارية لا اتفاقا ملزما، وكأنه اختبار لقدرة الفلسطينيين على الخضوع لشروط جديدة.
ثانيا، نزع سلاح حماس بالكامل تحت رقابة دولية يمثل قلب الخطة. هنا يتحول سلاح المقاومة إلى “عقبة” يجب تفكيكها، بينما يبقى الاحتلال مسلحا ومحصنا، ما يؤكد أن السلام هنا ليس توازنا وإنما هو استسلام.
ثالثا، تبادل الأسرى والرهائن يعرض كخطوة إنسانية، لكنه يرسخ تكافؤا زائفا بين آلاف الأسرى الفلسطينيين- كثير منهم اعتقلوا تعسفا- وبين رهائن إسرائيليين، في سياق حرب قائمة، ليصير الأمر تبادلا غير عادل على أرض الواقع.
رابعا، الانسحاب الإسرائيلي يطرح كمكافأة مشروطة وليس كحق أصيل. أي إخلال فلسطيني بالشروط يمنح الاحتلال حق البقاء، ويحول الانسحاب إلى ورقة ضغط مستمرة بدل أن يكون خطوة نحو التحرير.
خامسا، إدارة انتقالية عبر “مجلس سلام” دولي تمثل أخطر بند في الخطة، إذ توضع غزة تحت وصاية مباشرة بقيادة أميركية، بإشراف وجوه بارزة مثل توني بلير، في مشهد يكرر تجارب التاريخ، حيث يتحول “الانتقالي” إلى دائم، ويفتح الباب لفصل غزة عن الضفة، وتفريغ المشروع الوطني من جوهره. سادسا، إعادة إعمار كبرى تقدم كـ”جائزة”، لكنها مشروطة. الأموال والمشاريع تدار من الخارج وتستغل كأداة ابتزاز: قبول الشروط السياسية مقابل الإعمار، أو الحرمان منه.
وأخيرا، الشرط الأخطر يكمن في تهديد ترامب المباشر: الخطة ليست خيار سلام عادل، بل هي إنذار صريح؛ قبول الشروط يفتح أبواب المساعدات، ورفضها يمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاستمرار الحرب بدعم أميركي كامل.
لخرائط التي طرحها الرئيس الأمريكي ضمن ما يسمى بالمرحلة الأولى من الاتفاق، لا تمثل بأي شكل “خارطة انسحاب” من قطاع غزة، بل أقرب إلى خطة لإعادة انتشار تكريسًا للسيطرة التي حققها جيش الاحتلال خلال عملية “عربات جدعون 1″، والتي مكّنته من بسط نفوذه على نحو 70% من مساحة القطاع.
تُظهر الخريطة أن جيش الاحتلال يعتزم البقاء بعمق يصل إلى 3.5 كيلومترات من الحدود الشمالية، وامتداد مشابه من أقصى الشمال الشرقي في بيت حانون وشرق جباليا والشجاعية، بينما يتراجع العمق تدريجيًا إلى 2.2 كيلومتر في منطقة الزيتون، و1.5 كيلومتر شرق المحافظة الوسطى، وقرابة كيلومترين في منطقة القرارة بين دير البلح وخانيونس، وصولًا إلى عمق 6.5 كيلومتر في جنوب القطاع. كما يُبقي الاحتلال على وجود عسكري بعمق يقارب كيلومترين عند الحدود الجنوبية.
وبذلك، تُبقي الخطة الاحتلال داخل مناطق واسعة تشمل بيت حانون وبيت لاهيا بالكامل، وعزبة عبد ربه، وشرق جباليا، والشجاعية، والزيتون، وشرق البريج والمغازي، وشرق ووسط خانيونس، ومدينة رفح بكاملها.
أي أن الخريطة المقترحة ليست أكثر من تجميد لمواقع انتشار القوات الإسرائيلية الحالية، مع نزع أي التزامات قانونية تُصنفها كـ”قوة احتلال” مسؤولة عن السكان المطرودين قسرًا من أرضهم، ما يجعلها سيطرة فعلية من دون كلفة قانونية أو ميدانية، خصوصًا في ظل تعطيلا لاتفاق لقدرة المقاومة على الاستنزاف طالما بقيت قوات الاحتلال على الأرض.
وما لم تكن هذه الخريطة مجرد طرح تكتيكي للوصول إلى تفاهم أعمق حول خطوط الانسحاب النهائية (والتي دارت سابقًا حول عمق يتراوح بين 1000 و1200 متر شرق القطاع)، فإن مآل المفاوضات يبدو متجهًا نحو الفشل الحتمي.
وفي هذا الإطار، فإن قبول هذه الخرائط يعني تثبيت نمط انتشار إسرائيلي طويل الأمد وربط الانسحاب بشروط زمنية وأمنية غير قابلة للقياس، ما يبقي مئات آلاف النازحين خارج مناطق سكنهم الأصلية، محصورين في المخيمات الوسطى ومناطق المواصي جنوبًا.
نوايا عدوانية وخطط بعيدة المدى
يحمل شكل ونمط انتشار جيش الاحتلال على الأرض مؤشرات خطيرة. أولًا، يشي هذا الانتشار بإمكانية استكمال آلة التدمير الشامل للبُنى الحضرية في مناطق التمركز -نموذج تكرر في رفح خلال فترة التهدئة بعد اتفاق 19 يناير/كانون الثاني 2025، حين لم تتوقف الضغوط والعمليات حتى في أوقات الهدنة – ما ينبئ بأن مصير المناطق التي سيبقى فيها الجيش لن يختلف كثيرًا: هدم ممنهج وعمليات جرافات مستمرة تُعيد إنتاج خرابٍ معروف الهدف.
ثانيًا، يمنح هذا الانتشار الاحتلال قدرة على العودة بسرعة إلى مهاجمة غرب مدينة غزة أو المناورة بريًّا ضد ما تبقى من مناطق داخل القطاع -المخيمات الوسطى والشريط الساحلي لغربي خانيونس- من دون الحاجة لتمهيد ناري طويل أو عمليات إخلاء واسعة، لأن المواقع التي ستنطلق منها هذه الهجمات ستبقى تحت سيطرة مباشرة، خصوصًا وأن بقاء القوات طويلاً في مواقع عمقية سيحوّلها إلى رؤوس جسور لتمديد العمليات الهجومية عند أي قرار سياسي أو ميداني.
ثالثًا، يخلق الامتداد الجغرافي الكبير فرصة لتوسع شبكات إجرامية ومجموعات متعاونة مع الاحتلال: عصابات محلية وعناصر مُعدة لتنفيذ مهام أمنية وإدارية تقلّد نموذجًا يشبه ما عرف سابقًا بـ”جيش لبنان الجنوبي” أو “لحد” -كتل محلية متعاونة تعمل كحاجز بشري بين كتلة غزة الديمغرافية وغلافها، مدعومة بوجود عسكري إسرائيلي خلفها، ما يؤدي إلى تقويض النسيج الاجتماعي وتمكين تحكُّم احتلالي أقل كلفة ومخاطر مباشرة على القوات.
كما رُصد توسع حالات التعاون الإجرامي التي كانت محدودة سابقًا، لتطال مناطق في خانيونس وغزة وشمال القطاع، حيث استُخدمت هذه الشبكات في مهام اكتشاف مواقع المقاومة والأنفاق وفي الضغط على السكان ودفعهم للنزوح القسري.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










