في الفجوة بين ثورتين، حيث يبقى الضباط الإحرار
في ليلة الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٥٢، وعلى وقع دبابات اجتاحت شوارع القاهرة، انتهت مملكة استمرت قرناً ونيف، وولدت جمهورية لم تكن في حسابات أحد. كان الضباط الأحرار، ذلك التنظيم السري الذي تأسس عام ١٩٤٩ بقيادة جمال عبد الناصر، قد قلبوا الطاولة على الملك فاروق، وأعلنوا وصول “عصر الجمهورية”. وبعد أقل من عام، وتحديداً في ١٨ يونيو ١٩٥٣، أعلن اللواء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية، نهاية النظام الملكي وقيام الجمهورية برئاسته.
لكن القصة، كما يعرف كل مصري، لم تتوقف عند ذلك الإعلان. فالجمهورية الأولى، التي قامت على أكتاف الضباط الأحرار، كانت مجرد بداية لرحلة لم تنتهِ بعد. وبعد ستة عقود، وفي الثلاثين من يونيو ٢٠١٣، خرج ملايين المصريين في القاهرة والإسكندرية والسويس والإسماعيلية والمنصورة وأسيوط وسوهاج والأقصر وأسوان وسائر المحافظات، مطالبين برحيل رئيسٍ لم يكمل عامه الأول في السلطة. وبعد ثلاثة أيام، في الثالث من يوليو، وقف الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، مرتدياً بدلته الضباط الإحرارية، ليعلن بياناً غير وجه مصر الحديثة.
بين هاتين الثورتين، بين ٢٣ يوليو ١٩٥٢ و٣٠ يونيو ٢٠١٣، كان هناك شيء واحد لم يتغير: وجود الضباط، ليس كتنظيم سري، بل كفكرة راسخة في عمق الدولة المصرية. هذه المقالة هي رحلة في تلك الفجوة، لفهم كيف ظلت الضباط الإحرارية المصرية، رغم كل التحولات، هو الثابت الوحيد في معادلة الحكم في مصر.
الجمهورية الأولى: حين كان الضباط هم الثورة ذاتها
عندما استولى الضباط الأحرار على مبنى هيئة أركان الجيش في ليلة ٢٣ يوليو، لم يكونوا مجرد ضباط أحرار. كانوا يحملون رؤية لتغيير جذري في مصر: القضاء على الاستعمار، وإقامة عدالة اجتماعية، وبناء جيش وطني قوي. وكانوا، في تلك اللحظة، يمثلون الأمل في مستقبل مختلف.
لكن سرعان ما تحول التنظيم السري إلى سلطة مطلقة. فبعد إعلان الجمهورية، حلّ مجلس قيادة الثورة الأحزاب السياسية، وألغى دستور ١٩٢٣، وشرع في سلسلة من الإصلاحات الجذرية، من التأميم إلى الإصلاح الزراعي. كانت مصر، في تلك السنوات، تُبنى من جديد على أيدي الضباط الذين أصبحوا رجال دولة. كان جمال عبد الناصر، القائد الفعلي للثورة، يجسّد هذه المرحلة بكل تناقضاتها: زعيماً شعبياً، وقائداً عسكرياً، وصانعاً للجمهورية الأولى.
وهكذا، استمرت الجمهورية الأولى، بكل انتصاراتها وهزائمها، حتى وفاة عبد الناصر عام ١٩٧٠، ثم تولى السادات، ثم مبارك. لكن جوهر الأمر ظل كما هو: الضباط الذين أطاحوا بالملكية ظلوا، بشكل أو بآخر، هم من يديرون الدولة. ولم يتغير هذا الواقع إلا مع هزّة ٢٥ يناير ٢٠١١، التي أيقظت جمهورية جديدة، ثم مع أحداث ٣٠ يونيو التي أعادت تشكيلها.
ثورة ٣٠ يونيو: حين قال الملايين “لا للظلم”
في الثلاثين من يونيو ٢٠١٣، خرج الملايين من المصريين في مختلف المحافظات، في مشهد لم تشهد له مصر مثيلاً منذ حركة ٢٥ يناير. كانت المظاهرات التي انطلقت للمطالبة بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، قد تحولت إلى فيضان بشري يملأ الشوارع والميادين، حاملاً شعاراً واحداً هو “لا للظلم”.
وقد جاءت هذه الثورة في سياق داخلي وإقليمي معقد، بعد عام من حكم الإخوان المسلمين، الذي واجه معارضة زاعقة الصوت وإعلاماً تكتل ضده على مدار الساعة. وتكتل السياسيون في “جبهة الإنقاذ” بقيادة محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى، واتهموا الرئيس بمحاولة أخونة الدولة والفشل في إدارتها.
كان المشهد مهيباً. فالشعب بكل فئاته، مدعوماً بمؤسسات الدولة الوطنية من جيش وشرطة وقضاء وأزهر وكنيسة، خرجوا متحدين بيد واحدة في انتظار بيان تاريخي من القوات المسلحة. وكانت هذه اللحظة هي التمهيد لما سيأتي بعد ثلاثة أيام.
بيان ٣ يوليو: لحظة إعلان الجمهورية الثانية
في الثالث من يوليو ٢٠١٣، وقف الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، مرتدياً بدلته الضباط الإحرارية، ليعلن بياناً غير وجه مصر الحديثة. أكد فيه أن القوات المسلحة استجابت لنداء الشعب، وليس لدعوة للسلطة، بل للخدمة العامة وحماية مكتسبات الثورة.
وجاء البيان ليعلن خريطة طريق شاملة:
تعطيل الدستور مؤقتاً
تكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا، المستشار عدلي منصور، بإدارة شؤون البلاد
عزل الرئيس محمد مرسي واحتجازه
القبض على العديد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين
حل مجلس الشورى
وكانت هذه هي اللحظة الفارقة التي ولّدت الجمهورية الثانية. فبينما كانت الجمهورية الأولى قد ولدت ببيان الضباط الأحرار في ٢٣ يوليو ١٩٥٢، ها هي الجمهورية الثانية تولد ببيان الفريق السيسي في ٣ يوليو ٢٠١٣. وكما وصفها البعض، كانت “ثورة مكملة لثورات سابقة”، أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي للدولة المصرية.
الجمهورية الثانية: ضباطٌ جدد، وثابتٌ قديم
الجمهورية الثانية، التي أعلنها بيان ٣ يوليو، حملت في طياتها روح الجمهورية الأولى ذاتها: الضباط، مرة أخرى، هم من يمسكون بزمام الأمور. لكن الفرق هذه المرة، أن الضباط لم يعودوا ثواراً يطيحون بملك، بل أصبحوا حماةً للدولة في وجه ما اعتبروه تهديداً وجودياً.
وقد استمرت هذه الجمهورية، بكل تحولاتها، حتى يومنا هذا، مع استمرار وجود الضباط الإحرار كركيزة أساسية في النظام السياسي المصري.
الخاتمة: الضباط بين جمهوريتين
في الفجوة بين ثورة ٢٣ يوليو وثورة ٣٠ يونيو، ظل الضباط هم الثابت الوحيد. لقد كانوا بناة الجمهورية الأولى، وهم أيضاً حراس الجمهورية الثانية. وبين هاتين الجمهوريتين، لم تتغير طبيعة الحكم في مصر بقدر ما تغيرت أشكاله. فالسلطة الضباط الإحرارية ظلت حاضرة، وإن ارتدت أحياناً ثياباً مدنية. والجيش ظل، كما كان دائماً، هو “صانع الجمهوريات” في مصر، سواء أكان ذلك في ١٩٥٢ أم في ٢٠١٣.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن ٢٣ يوليو أو ٣٠ يونيو، تذكر أن هاتين الثورتين ليستا مجرد محطتين منفصلتين في التاريخ. إنهما وجهان لعملة واحدة: عملة الضباط الذين صنعوا مصر الحديثة، وظلوا، رغم كل التحولات، هم الثابت الوحيد في معادلة الحكم.










