لكيّ ترتاح ، ويهدأ بالك ، عليك أن تقرأ كتاب الواقع جيداً ، ولاتخدعن نفسك ، وتمنيها بما لم تستطع عليه صبرا !!.
وكتاب الواقع يقول بأنه لا أحد اليوم يعترف بأنه تلميذ ، وعليه أن يتعلم ، وأن يسأل ، ثم ينتظر الإجابة ، وأن له أستاذا !!.
لقد سقطت مقولات حفظناها نحن ، ولم تعد ذات قيمة مثل العملة الرديئة ، التي نضعها تحت زجاج المكاتب ، وفي الفاترينات ، مثل [ مَن علمني حرفاً صرت له عبدا ] ، ومثل [ كاد المعلم أن يكون رسولا ] ، فهذه أقوال بليت ، وصارت مثار سخرية في هذا الزمان !!.
وفي هذا الزمان ، صار الكل أستاذا كبيرا ، والكل صار مُعلماً ومِعلما !!.
صار من الطبيعي أن يهاجم حمو بيكا السنباطي ، ويتهمه بالجمود والتخلف ، وأن تشتم مطربة الحنطور أم كلثوم ، وتنتقد مطربة الأنابيب فيروز ، وويرفس مطرب الحمار عبد الحليم ، وصار طبيعياً أن يكون مجدي الجلاد محلل استراتيجي ، وتوفيق عكاشة خبير أبراج ونبوءات !!.
صار الكل يعرف كل شئ ، وليس في حاجة أن يتعلم ، الكل ظن نفسه قد وصل إلي منتهي المعرفة ، ولا يحتاج المزيد ، فإذا ناقشته جادلك وناطحك ، وقد حسب أنها حلبة مصارعة ، لابد من هزيمتك بلمس الأكتاف ، أو ساحة ملاكمة ، لابد من قهرك بالضربة القاضية !!.
لايستمع إليك ؛ فقد صار أستاذا كبيرا ، وعليك أنت أن تسمعه ، مهما كان عمرك ، وكانت مكانتك ، وكانت ثقافتك وخبرتك !!.
سمعنا أن الرجل كان يسافر من فاس في المغرب إلي الكوفة في العراق ، فقط لكيّ يلتقي بعالم يأخذ عنه مالا يعرف ، ويجلس تحت قدميه وقرأنا أن الإمام مالك ، سُئل في سبعين مسألة ، فقال في خمسين منها ( لا أعرف ) !!.
لكننا في زمن عجيب ، الكل فيه صار أستاذا ، لا حاجة به إلي التعلم ، رغم أنني – واللهِ – ما جالست إلي أحد ، ولا استمعت إلي أحد ، إلا ووضعت نفسي موضع التلميذ الذي يسعي لكيّ يعرف ويتعلم ، حتي من تلامبذي ، أو الذين أحسبهم تلاميذي ، فربما يتنصلون هم من ذلك ، ولاغرابة !!.
ألم اقل لكم أننا في زمن عجيب ؛ الكل فيه أستاذ ، ولايوجد تلاميذ ، إلا قلة نادرة ، ومَن رحم ربي ، ربما كنت أنا أحدهم ، وقد بلغت من العمر عتيا ، لكنني مازلت تلميذا ، أو هكذا أشعر !!.










