تعد تجربة اللجوء التي يمر بها الإنسان من التجارب القاسية في حياته، ولا يكاد ينجو من أثارها النفسية خاصة، أي لاجئ، حتى ذلك الذي غادر وطنه طوعاً، غير أن قسوتها تتضاعف حين يكون اللاجئ مسرحياً: كاتباً كان اللاجئ أم ممثلاً أو مخرجاً، فالكتابة للمسرح مثلاً، وعلى خلاف أشكال الأدب الأخرى، لا تكتمل إلا بحضور الجمهور، لأن الكاتب المسرحي لا يكتب نصه ليقرأه الفرد في عزلته، أنى كان هذا القارئ، بل ليشاهده الجمهور، وهو إذ يكتب يستحضر القاعة الممتلئة بالمتفرجين، وأصواتهم، وتفاعلهم، وضحكاتهم، بل وصمتهم المترقب. ولذلك يصبح الكاتب حين ينقطع هذا الخيط الحي بين النص والجمهور، وكأنه يتحدث في الفراغ، وينثر كلماته في الهواء، غير أن المفارقة التي تنهض بقوة في الغربة، لا تكمن في غياب جمهور من بني قومه وحسب، والذي قد يملأ الصالة في عرض له، بل في غياب المكان الذي يمثل ركناً مهماً في الظاهرة المسرحية، ليس كبناء وخشبة وتجهيزات وتقنيات، والتي قد تكون أحسن حالاً مما هو عليه في الوطن، بل المكان المعرف بالضمير “نا”، الذي يزيل عن هذا العنصر صفة الحيادية والبرود، ويمنحه خصوصية تؤنسنه وتجعل منه مصدر ألفة ودفء وأمان، مفعم بالذكريات، ولا يقتصر هذا الأمر على المسرح فقط، بل يتعداه ويشمل كل مكان يلحق به الضمير “نا”: البيت والشارع والمدرسة والوطن… ولعل ذلك يفسر بدء تلقي العرض المسرحي من قبل المتفرج خارج مكان العرض وقبل رفع الستارة بزمن غير قصير، ليشترك فيه الطريق إلى مكان العرض وموقعه وشكل بنائه، ومن ثم توزع المتفرجين على المقاعد في صالة المسرح، فيساهم ذلك كله في تغذية النص قبل؛ وبعد كتابته، وطبعاً العرض ، ويمنحه الحياة.
في الوطن، حين يشرع الكاتب بكتابة نصه، كما الممثل والمخرج، سرعان ما يسمع صدى أصوات بعيدة: ضحكة من الصفوف الأولى، شهقة متفرج، همهمة حوار في ردهة المسرح. غير أنه في بلاد اللجوء يفتقد لهذه الأصوات، التي تختفي تماماُ واقعياً، لتتكرر في ذهنه في هيئة صور وذكريات وأخيلة، مما يجعل ألم الغربة النفسية أكثر قسوة، ويلون إبداعه بما يجول في داخله من مشاعر وأفكار مختلطة بغيوم الغربة.










