ما زالت مجتمعات عربية كثيرة تُقارب الفكر عبر بوابة الانتماء لا عبر بوابة العقل.الفرد لا يُسمع لرأيه أولًا، بل يُسأل: ما مذهبه؟ ما طائفته؟ من أي جماعة خرج؟
وبذلك يتحوّل الرأي إلى ظِل للإنتماءات الضيقة، ويتراجع العقل أمام بطاقة الانتساب.
هذا الواقع يُنتج ذهنيّة طائفية ومذهبية مُقنّعة؛
ذهنيّة تُصنّف قبل أن تفهم، وتهاجم قبل أن تناقش، وتختزل الإنسان في جماعته بدل رؤيته كذات مستقلة.
هذا ليس مجرّد توصيف نظري، بل واقع أثّر بعمق في تاريخنا القريب.
فهذه العقلية كانت سببًا مباشرًا في انقسامات ضربت مجتمعات عربية عديدة، وأسهمت في سقوط دول رغم قوتها الظاهرية.
حين يتراجع مفهوم المواطن لصالح مفهوم الجماعة، يضيع مبدأ العدالة، ويخفت صوت الكفاءة، ويصبح الولاء هو البوابة الوحيدة للقبول.
المطلوب ليس في إلغاء الانتماءات أو محاربتها؛ فهي جزء من التاريخ الإنساني.إنما تفكيك مركزية الطائفة والمذهبية في الحكم على الأفراد، ومنعها من أن تتحوّل إلى سقفٍ للعقل وحدٍّ للتعايش.
والحل يبدأ من بناء نموذج المواطن الحر؛
مواطنٍ تتقدم لديه قيمة الوطن والمصلحة العامة على الروابط الضيقة، ويُقاس بعقله وإنتاجه لا بانتمائه.
وذلك يتطلّب تعليمًا يُرسّخ التفكير النقدي وإعلامًا يصنع قدوات وطنية لا مذهبية اضافة الى قوانين تُعلي الكفاءة وتحدّ من المحاصصة
حين ندرك أن الطائفية والمذهبية ليست مجرّد انتماءات اجتماعية، بل عائقًا أمام بناء الدولة الحديثة القائمة على المواطنة،
وحين نُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه مواطنًا قبل أي عنوان آخر،
تبدأ أولى خطوات الإصلاح، ويصبح المستقبل مشروعًا مشتركًا… لا غنيمة جماعات










