في قلب بستانٍ هادئ، كانت تقف شجرة وارفة تُظلّل من حولها بخيرها، جذعها ثابت متين، وأغصانها تمتد كأذرع رحيمة تحتضن الطيور والمسافرين المرهقين.
وكانت أوراقها خضراء تلمع كل صباح،وتنشر البهجةوالسرور
لكن في غفلةٍ من الزمن، تسللت إلى الجذع دودة سوسة صغيرة.
كانت حقيرة الحجم، لكنّها خفية ماكرة، تعرف كيف تختبئ داخل الخشب وتبدأ في نخره ببطء. لم يشعر بها أحد في البداية، فقد كانت تعمل في الظلام، تقتات على قوة الشجرة دون أن تقدّم شيئاً.
ومع الأيام، بدأ الجذع يضعف، وصارت بعض الأغصان تشعر بوهنٍ غريب.
تساءلت الأوراق:
– ما بالُ الشجرة؟ لِم يضيق صدرها ويضعف عودها؟
لكن السوسة كانت تواصل نخرها في الداخل، تستغل الجذع، وتستدرّ خيرات الشجرة لنفسها، حتى ظنّت أنها مالكة الشجرة، وأنه لا أحد سيكتشف سرّها.
ازدادت جرأتها، فصارت تقتطع من الخشب علناً، وتدّعي أن الأغصان مدينة لها، وأن الأوراق ما كانت لتشرق لولاها.
بل بلغت بها الوقاحة أن زجّت بأسماء الأغصان الطاهرة في معاملات فاسدة، محاولة تشويه صورتها أمام بقية مخلوقات البستان.
وصارت الشجرة – رغم صبرها – تشعر أن منظرها الجميل يشوهه شيء من الداخل… شيء يُضعف الكيان كله.
غير أنّ البستان الرحب لا ينام.
وفي صباحٍ من صباحات الشتاء، لمح غرابٌ حكيم ما يحدث في الجذع من شقوق غريبة. اقترب، واستمع، ودقّ بجناحيه فوق اللحاء.
فإذا بالسوسة – وقد ظنّت نفسها آمنة – تخرج قليلاً في غفلة منها.
وبلمح البصر…
انقضّ الغراب عليها والتهمها، قبل أن تتمّ خرابها، وقبل أن تجد فرصة جديدة لتشويه جمال الشجرة.
تنفّست الشجرة بعمق، وعادت عافيتها تدريجياً، ورفرفت أوراقها سروراً، وعادت الأغصان تزداد قوةً وحياة.
أما السوسة… فقد كانت نهايتها بفعل شرّها، إذ لم تأكلها سوى جرأتها على ما لا تملكه.
وهكذا ظلّ البستان يتذكر تلك الحكاية:
أن الشجرة مهما طال صبرها، فإن السوسة لا بدّ أن يسحقها الحق في النهاية.










