لما نرجع لأصل كلمة تكريم في العربي، هنلاقي إن جذرها “كَرَم”… يعني الشرف، والرفعة، والفضل، والاحترام اللي بيطلع من تقدير حقيقي مش من بهرجة. زمان، التكريم كان له معنى مختلف اعتراف صادق بقيمة حد عمل شغل محترم، وترك أثر في الناس، من غير كاميرات، ولا منصات، ولا دعاية.
واكتر حد أكد المعنى ده أكثر من مرة هو الدكتور فوزي فهمي. الراجل ده رفض أي تكريم طول حياته، وكان شايف إن أعظم تكريم اتقدم له هو إن دكتوره محمد مندور يكتب عنه ويناقش بحثه ويشهد له. في نظره، التكريم مش درع ولا حفلة… التكريم الحقيقي لما حد فاهم وشريف في مجاله يقول: “الشغل ده محترم”.
إنما الزمن اتغيّر… ومع السوشيال ميديا والمهرجانات اللي طلعت بالشكل الجديد، اتبدّل معنى التكريم بقى — في كتير من الأحيان — مجرد فقرة كام صورة، كام فيديو، بوستات تتنشر، و”مبروك التكريم يا فنان”… وخلاص. ساعات تلاقي السؤال نفسه اختفى: هو الشخص ده بيتكرم اصلا على إيه؟
ومع دخولنا في عالم “الواقع الافتراضي” اللي اتكلم عنه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، بقينا بنعيش في زمن الصورة أهم من الحقيقة نفسها. اللي بيظهر قدامنا على الشاشة بقى “هايبر رياليتي”، حتى لو الحقيقة غير كده تمامًا. وبقينا نشوف ناس بتسعى للتكريم مش علشان قيمة… لكن علشان اللقطة.
فيه ناس بتستخدم علاقاتها… فيه ناس ممكن تدفع… فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة علشان تظهر واقفة على المسرح ومعاها درع، حتى لو الدرع ده ما وراهش شغل ولا جهد حقيقي. المهم “الصورة”. وبعدها السوشيال ميديا تعمل شغلها: “فنان كبير”… “إضافة مهمة”… “مكرَّم في مهرجان كذا”. والجمهور يشوف الصورة فيصدقها… وما يسألش:
هو التكريم ده من حقه؟
هو عمل إيه علشان ياخده؟
هو ده إنجاز ولا مجرد شو؟
وهنا يحصل اللي كان بيحذر منه بودريار: الصورة تبقى أهم من الحقيقة… والناس تبقى جزء من لعبة كبيرة من غير ما تحس. وبكده يتحوّل التكريم من معنى محترم، لمعنى افتراضي، بيتفبرك على حسب العلاقات والمصالح والشكل قدام الناس.
علشان كده بقى لازم نرجّع المفاهيم لأصولها. نرجّع فكرة التكريم لمعناها اللي اتولدت منه: اعتراف حقيقي بإنجاز حقيقي… حاجة بتفضل في الذاكرة، مش في الجاليري. لأن التكريم اللي مالوش قيمة، بيسرق قيمة اللي يستحق. ولأن المشهد الفني — وبالذات المسرحي — مش ناقص “أبطال افتراضيين”… هو محتاج ناس بتشتغل بجد وتسيب أثر يفضل.
وفي الآخر… اللي بيعيش مش عدد التكريمات، ولا قد إيه الصورة كانت حلوة…
اللي بيعيش هو الأثر.










