يصادف يوم العاشر من ديسمبر من كل عام صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٨. في هذا اليوم انعقدت إرادة الجماعة الدولية قاطبة على تأكيد ذاتية الإنسان وترسيخ القيم الإنسانية الجليلة التي تجسدها حقوقه وحرياته التي أقرها المجتمع الدولي. ولذلك يعتبر هذا الإعلان بحق من أشهر الوثائق وأكثرها تأثيراً على الإطلاق ، وكان له صدى بالغ الأثر على المستويين الدولي والوطني ، واتخذ ركيزة للعديد من الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية ، كما كان مصدر الهام عند إعداد العديد من المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان داخل وخارج منظومة الأمم المتحدة على السواء . ومن جهة أخرى فقد ترددت الحقوق التي قررها الإعلان في الدساتير والتشريعات الوطنية وأحكام المحاكم لمختلف الدول، وأصبح مقياساً لدرجة احترام السلوك الدولي لحقوق الإنسان .
وعلى الرغم من أن الإعلان لم ينص على الحق في بيئة تفي بمتطلبات صحة الإنسان ورفاهه صراحة، إلا أن بعض نصوصه تقتضيها، خاصة المادة (٢٥) والتي ترد ضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنص عليها المواد (٢٣،٢٢، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٧) وهي الحقوق التي يكفلها الإعلان لكل فرد باعتباره ” عضوا بالمجتمع”، وتصف النصوص المذكورة هذه الحقوق بأنها “لا غنى عنها لكرامة الإنسان وللنمو الحر لشخصيته” .
كما أن الحق في بيئة تفي بمتطلبات صحة الإنسان ورفاهه وثيق الصلة بالحق في العمل باعتباره أساس كل تنمية ناجحة ، وبالحق في التعليم ، والحق في إنماء الشخصية وتطويرها وغيرها من الحقوق .
وبعد أقل من عشرين عاماً من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ترسخت الحقوق الواردة في الإعلان، ومنها الحق في بيئة تفي بمتطلبات صحة الإنسان ورفاهه ، بصدور العهد الدولي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام ١٩٦٦.
وتأكيداً من الأمم المتحدة للحق في بيئة تفي بمتطلبات صحة الإنسان ورفاهه، فإنها لم تشأ الاكتفاء بما أصدرته من إعلانات ومواثيق دولية تنص عليه وتعززه ، وإنما أفردت له إعلاناً خاصاً به، هو الإعلان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم (٤٥/ ٩٤) بتاريخ ١٤ ديسمبر ١٩٩٠، والذي أكد في نصوص صريحة وقاطعة بأن لكل فرد الحق في أن يعيش في بيئة تفي بمتطلبات صحته ورفاهه. ويدعو الإعلان الدول الأعضاء والمنظمات الحكومية والدولية والمنظمات غير الحكومية التي تعالج المسائل البيئية إلى تعزيز جهودها نحو ضمان وجود بيئة أفضل .
كما يطالب الإعلان هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة، كل في مجال اختصاصها ، أن تواصل بذل الجهود النشطة من أجل توفير بيئة أفضل وأصح .
وفي مايو ١٩٩٤ اجتمعت المجموعة الدولية لخبراء حقوق الإنسان وحماية البيئة في جنيف لوضع مسودة إعلان لحقوق الإنسان والبيئة يتكون من ٢٧ بنداً وبعد أن أشار الإعلان في ديباجته إلى الوثائق الدولية الأساسية لحقوق الإنسان وإلى المؤتمرات الدولية المعنية بالبيئة وحقوق الإنسان ، أكد على أهمية العلاقة بين حقوق الإنسان والبيئة وعلى حق كل إنسان – من أجل صحته – في ضمان نظام إيكولوجي يفي بمتطلباته ورفاهه.
وفي البند الأول يؤكد الإعلان على أن حقوق الإنسان، ووجود نظام إيكولوجي للبيئة وثيقي الصلة بالتنمية والسلم وأنها حقوق مترابطة وغير قابلة للتجزئة .
وفي البند الثاني يورد الإعلان بأن لجميع البشر الحق في ضمان نظام إيكولوجي صحي للبيئة، وأن هذا الحق وحقوق الإنسان الأخرى ، بما في ذلك الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ، هي حقوق عالمية ومترابطة وغير قابلة للتجزئة.
والحق في بيئة نظيفة بالمعنى المتقدم ، هو الذي قصده مؤتمر ستوكهولم بشأن البيئة (يونيه ١٩٧٢) والذي أكد الإعلان الصادر عنه في ديباجته ((اتفق العالم على أن الإنسان هو الذي يصنع ويشكل بيئته التي تعطيه القوت وتمنحه الفرصة لتحقيق النمو الفكري والخلقي والاجتماعي والروحي. وقد بلغ الجنس البشري وهو في طريقه الطويل والمتعرج نحو التطور مرحلة اكتسب عندها الإنسان من خلال التقدم السريع للعلم والتكنولوجيا، قدرة على تحويل بينته بطرق لا حصر لها وعلى نطاق لم يسبق له مثيل – ويعد كل – من جانبي البيئة البشرية، الطبيعي والاصطناعي، أمراً أساسياً لتحقيق رفاه البشر وللتمتع بحقوق الإنسان بما في ذلك الحق في الحياة ذاته )) .
والمفهوم المتقدم للحق في بيئة نظيفة هو الذي عناه أيضاً مؤتمر قمة الأرض للبيئة والتنمية الذي انعقد في ريودي جانيرو (يونيه ١٩٩٢) فالمبدأ الأول من الإعلان الصادر عنه، يقرر بأن ((يقع البشر في صميم الاهتمامات المتعلقة بالتنمية المستدامة، ويحق لهم أن يحيوا حياة صحية ومنتجة في وئام مع الطبيعة)) .
وفي المبدأ الثالث: يورد الإعلان بأن ((يتوجب إلتزام حق التنمية للوفاء بشكل منصف ومواردها بالحاجات الإنمائية والبيئية للأجيال الحالية والمقبلة)) .
وفي المبدأ الخامس والعشرين: ينص الإعلان على أن ((السلم والتنمية وحماية البيئة أمور مترابطة لا تتجزا )) .
وفضلاً عما تقدم ، فقد أكد العديد من المواثيق الدولية على العلاقة بين البيئة والتنمية ، ويأتي في مقدمة هذه المواثيق ميثاق الأمم المتحدة، فبعد أن أشارت ديباجة الميثاق إلى عزم شعوب الأمم المتحدة على استخدام الأداة الدولية في ترقية الشئون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعاً ، نصت المادة الأولى على أن من المقاصد الرئيسية للمنظمة، تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وحل المسائل الدولية ذات العلاقة يعد غاية رئيسية نشأت الأمم المتحدة بغية الوصول إليها. ولا جدال في أن المسائل البيئية والمسائل المتعلقة بالتنمية تدخل ضمن الشئون الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وهذا ما حرصت الأمم المتحدة على تعزيزه فيما عقدته من مؤتمرات أو أصدرته من مواثيق وإعلانات فيما بعد .
ولقد بلغ الاهتمام الدولي بالبيئة والتنمية أن أصبحتا من مقومات النظام الدولي الاقتصادي الجديد ، وهذا ما قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتين خاصتين، ودورة عادية خلال عامي ١٩٧٤، ١٩٧٥، حين أقرت إعلانا وبرامج عمل حول إقامة نظام دولي اقتصادي جديد، أكدت فيه الدول عزمها على العمل السريع لإقامة هذا النظام على أساس العدالة والمساواة في السيادة والتكافل والمصلحة المشتركة والتعاون بين الدول دون اعتبار لنظمها الاقتصادية والاجتماعية وبذل الجهد من أجل القضاء على الفجوة الآخذة في الاتساع بين الدول النامية والمتقدمة وكفالة التطور الاقتصادي والاجتماعي في سلام وعدالة للأجيال الحاضرة والمستقبلية.
وفي دورتها العادية في ديسمبر ١٩٧٤ أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول . ولقد أورد الميثاق في ديباجته أن “تهيئة الظروف المناسبة لإقامة نظام دولي اقتصادي جديد ، إنما تتطلب التعجيل في التنمية الاقتصادية للدول النامية وحماية البيئة والحفاظ عليها وزيادة قدر الانتفاع بها”. وفي سياق بيانه للمسئوليات العامة التي تتحملها دول الجماعة الدولية تبادلياً، نص الميثاق على ((حماية البيئة إدراكاً من واضعيه للرابطة الوثيقة بين الجهود الدولية لحماية البيئة الإنسانية والجهود الدولية للتنمية الاقتصادية الدولية وإيجاد نظام دولي اقتصادي جديد)) .
وتتخذ العلاقة بين البيئة والتنمية وجهاً آخر يتمثل في أن تدهور البيئة تكون له آثار سيئة من الناحية الاقتصادية ، ذلك أن التصحر واقتلاع الغابات وتدهور التربة والمياه لها آثارها المباشرة على جهود التنمية ، على أساس أن الصحة والغذاء تعتمد على سلامة البيئة.
ولذلك فإن الحديث عن العلاقة بين البيئة والتنمية لا يكون مكتملاً بدون الإشارة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والتي وقعت في باريس في ١٧ يونيه ١٩٩٤ وجاءت تتويجاً لجهود التفاوض الحكومية الدولية (INCD) التي تكونت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٤٧ / ١٨٨ الصادر في 21 / 1 / 1992 .
وقد أكدت الاتفاقية في ديباجتها والعديد من نصوصها على العلاقة بين البيئة والتنمية ، حين أوردت في ديباجتها أن التصحر ينجم عن تفاعلات معتمدة بين عوامل فيزيائية وأحيائية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية .. وأن التصحر والجفاف يؤثران على التنمية المستدامة عن طريق ترابطهما مع مشاكل اجتماعية هامة مثل الفقر وسوء الصحة والتغذية، ونقص الأمن الغذائي ، والمشاكل الناجمة عن الهجرة ، ونزوح الأشخاص والديتاميات السكانية .
وأوردت في مادتها الثانية، أن ” من أهدافها مكافحة التصحر بغية الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة ” ، كما أوردت الاتفاقية في المادة الرابعة أن ” على الدول الأطراف في سعيها لتحقيق أهداف هذه الاتفاقية ، اعتماد نهج متكامل يتناول الجوانب الفيزيائية والأحيائية والاجتماعية والاقتصادية كعمليات التصحر والجفاف والعمل على إقامة بيئة اقتصادية دولية تفضي إلى تعزيز التنمية المستدامة “.
ولا شك أنه ما لم تسترشد التنمية بالاعتبارات البيئية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية ، فإن كثيراً منها سيوتي نتائج غير مرغوبة، أو يحقق فوائد قليلة، أو ربما فشل تماماً – إن التنمية غير القابلة للاستمرار ستعمل على تفاقم المشاكل البيئية الموجودة حالياً مما يوجب إدراك حقيقة محدودية الموارد وقدرات النظم البيئية ويتطلب وجود (( تنمية بدون تدمير)) أو التنمية المستديمة التي تلبي احتياجات الحاضر من دون أن تعرض للخطر قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها .
ولقد أسهم العمل الدولي الدؤوب الذي امتد عبر العقود الخمسة الماضية في تحقيق توافق دولي على تأكيد حق الإنسان في بيئة نظيفة ، بل وحول بلورة مفهوم شامل لهذا الحق من خلال إلتئام سلسلة من المؤتمرات والقمم العالمية وذلك فيما أصدرته من إعلانات وما اعتمدته من خطط وبرامج عمل في مختلف مجالات حماية البيئة والتنمية .
ولذلك لم يكن من قبيل الصدف أن تنعقد بعض هذه المؤتمرات من أجل بيئة الإنسان فقط (استوكهولم ١٩٧٢)، آو أن تقرن بموضوعات أخرى (البيئة والتنمية ريودي جانيرو ١٩٩٢) أو أن تحتل البيئة جانياً مهماً من أعمال المؤتمر (كويتهاجن التنمية الاجتماعية، مارس ١٩٩٥)،(المؤتمر العالمي الرابع للمرأة .التنمية والمساواة والسلم، بكين سبتمبر ١٩٩٥)، (المستوطنات البشرية، الموئل الثاني، استانبول ١٩٩٦)، جوهما سبرج٢٠٠٢).
وتوضح القراءة المتأنية لنتائج هذه المؤتمرات (من إعلانات وبرامج وخطط عمل) التي تستهدف صياغة مستقبل المجتمع البشري، وتوفر إرشادا للعمل المستقبلي، أنها جميعاً تنهل من فكر إنساني وحيد، وتستلهم فلسفة عالمية ومعتقداً أخلاقياً وروحياً، منطلقها ورائدها الأساسي الارتقاء بالإنسان وبرفاهيته وتقدمه، بوجه خاص بعنصري البيئة والتنمية وتحسين نوعية الحياة وصون عناصر الطبيعة ومقاومة التدمير البيئي الذي بدأ في تقويض الآفاق المرتقبة للتنمية في المستقبل- فالتأثير البيئي المتسارع أخذ يفوق بسرعة قدرة الاستراتيجيات الإنمائية .
وقد سعت هذه المؤتمرات إلى تحقيق مشاركة أكبر للبشر في التصدي للمشاكل البينية ومثلت قوة دفع هامة في كافة الدول ، وساهمت في تعزيز التعاون فيما بينها وبين الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والمنظمات غير الحكومية . كما ساهمت هذه المؤتمرات في إيجاد مفهوم جديد للتنمية تقوم الاعتبارات البيئية فيه بدور مركزي ولا يتعارض مع السماح بفرص للأنشطة البشرية .
ويعد مؤتمر استوكهولم (يونيه ١٩٧٢) المعني بالبيئة البشرية أول محاولة من جانب المجتمع الدولي لمعالجة العلاقة بين البيئة والتنمية على الصعيد العالمي ، وقد نجح في وضع البيئة على جدول الأعمال العالمي، وذلك باعتماده لخطة عمل استوكهولم ، وهي أول خطة عالمية بشأن البيئة والتي وفرت أساسا لجدول أعمال معياري وإطاراً للسياسات المشتركة لمعالجة الجيل الأول من الأعمال البيئية .
وكان من النتائج المهمة للمؤتمر إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي استهل أعماله في عام ١٩٧٤. كما تمخضت أعمال المؤتمر عن إعلان مبادئ كان أساساً لتطور القانون البيئي الدولي خلال السبعينيات والثمانينات وما تلاهما.
ويسجل الإعلان في ديباجته ونصوصه أهمية البيئة بالنسبة لحياة الإنسان وصحته ورفاهه وأهمية الربط بين البيئة والتنمية . حيث تورد ديباجة الإعلان((أن حماية البيئة البشرية وتحسينها قضية رئيسية تمس رفاه الشعوب والتنمية الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، وهي رغبة ملحة لدى شعوب العالم بأسره وواجب تتحمله جميع الحكومات)).
وتفصح الديباجة في موضع آخر عن أن مشاكل البيئة ترتبط بدرجة النمو التي بلغتها الدولة وتقرر بأنه ((في البلدان النامية تعود معظم المشاكل البيئية بالسبب إلى التخلف . أما في البلدان الصناعية فإن المشاكل البيئية ، تتصل بوجه عام ، بالتنمية الصناعية والتكنولوجية)).
وتتضمن مبادئ الإعلان إشارات عديدة للربط بين البيئة والتنمية. فالمبدأ (٨) يقرر بأن “للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهمية أساسية لضمان بيئة مواتية لعيش الإنسان وعمله، ولإيجاد ظروف على الأرض ضرورية لتحسين نوعية العيش”. كما أورد المبدأ (١١) ينبغي للسياسات البيئية لجميع الدول أن تعزز القدرة الإنمائية في الحاضر والمستقبل للبلدان النامية وألا تضر بها أو تعوق تحقيق ظروف عيش أفضل للجميع ، كما يتعين على الدول والمنظمات الدولية اتخاذ الخطوات المناسبة بغية التوصل إلى اتفاق لمجابهة الآثار المالية التي تترتب على تطبيق التدابير البيئية على الصعيدين الوطني والدولي” . كذلك فقد تضمن المبدأ (١٣) ” ينبغي للدول أن تعتمد نهجاً متكاملاً ومنسقاً لتخطيطها الإنمائي بحيث تضمن التوافق بين التنمية والحاجة إلى حماية وتحسين البيئة البشرية لصالح مواطنيها “.
ولقد لقيت البيئة اهتماماً دولياً واسعاً عقب مؤتمر استكهولم، وأخذ هذا الاهتمام ينمو ويتزايد وتمثل ذلك في صدور عدد من الاتفاقيات والوثائق الدولية والإقليمية التي تمثل البيئة أحد أهم موضوعاتها ، ومن هذه الاتفاقيات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام ١٩٨٢، إذ جاء في ديباجة الاتفاقية ما يعزز الترابط بين البيئة والتنمية، حيث ورد بها ” إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية … وإذ تسلم باستحسان العمل عن طريق هذه الاتفاقية، ومع إيلاء المراعاة الواجبة لسيادة كل الدول على إقامة نظام قانوني للبحار والمحيطات ييسر الاتصالات الدولية ويشجع على استخدام البحار والمحيطات للأغراض السلمية، والانتفاع بمواردها على نحو يتسم بالإنصاف والكفاءة وصون مواردها الحية ، ودراسة وحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها “. وإذ تضع في اعتبارها أن بلوغ هذه الأهداف سيسهم في تحقيق نظام اقتصادي دولي عادل ومنصف يراعي مصالح واحتياجات الإنسانية جمعاء، ولا سيما الاحتياجات والمصالح الخاصة للبلدان النامية، ساحلية كانت أم غير ساحلية “.
وفي ذات العام أيضاً صدر الميثاق العالمي للطبيعة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ومن أبرز ما تضمنه الميثاق في مجال البيئة والتنمية ضرورة أن يراعي اعتبار متطلبات حفظ الطبيعة جزءاً لا يتجزأ في أي تخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن يبني هذا التخطيط على دراسة علمية كاملة لمتطلبات البيئة والحفاظ على الطبيعة .
وتعتبر اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون لعام ١٩٨٥ وبروتكولوها الإضافي الموقع في مونتريال عام ١٩٨٧، إضافة جديدة لقواعد حماية البيئة ، وذلك نظراً لما تمثله طبقة الأوزون من أهمية باعتبارها الدرع الذي يحمي الحياة من الأثر المدمر للأشعة فوق البنفسجية .
وتقدم اتفاقية الأمم المتحدة للتحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود لعام ١٩٨٩ حماية إضافية للبيئة وصونها بالتنبيه إلى المخاطر التي تلحق بالصحة البشرية والبيئة من جراء نقل النفايات الخطرة عبر الحدود وما ترتبه من إلتزامات على عاتق الدول بشأن حظر نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود واتخاذ التدابير اللازمة للتحكم فيها والالتزام بمبادئ القاهرة التوجيهية والأساسية للإدارة السليمة للنفايات الخطرة التي اعتمدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام ١٩٨٩.
وتأتي اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ (مايو ١٩٩٢) وبروتوكول كيوتو الملحق بها ، لتسلط الضوء على أثر التغيرات المناخية على الأنظمة الإيكولوجية الطبيعية وعلى البشرية حيث تؤكد في ديباجتها أن التغير في مناخ الأرض وآثاره الضارة ، وما قد يصاحبه من تزايد تركيزات غازات الدفينة الطبيعية وما يترتب عليه من ارتفاع درجة حرارة الأرض والغلاف الجوي مما يؤثر سلباً على الأنظمة الإيكولوجية الطبيعية وعلى البشرية ، هذه المخاطر أصبحت تمثل شاغلاً مشتركاً للبشر جميعاً ومحور اهتمام الدول كافة على نحو يستلزم التنسيق المتكامل بين الاستجابة لتغير المناخ والتنمية الاقتصادية والاجتماعية .
وتحدد الاتفاقية في مادتها الثانية الهدف منها وهو الوصول إلى تثبيت تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون تدخل خطير من جانب الإنسان في النظام المناخي ، وتشدد على أنه ينبغي بلوغ هذا الهدف خلال فترة زمنية كافية تتيح للنظم الإيكولوجية أن تتكيف بصورة طبيعية مع تغير المناخ.
وترتب الاتفاقية طبقاً لمادتها الرابعة عدداً من الالتزامات على عاتق الدول من بينها وضع سياسات وتدابير وطنية للتخفيف من تغير المناخ عن طريق معالجة الإنبعاثات البشرية المصدر من غازات الدفينة ، وأخذ اعتبارات تغير المناخ في الحسبان عند إعداد سياستها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ذات الصلة .
ويتصل بذلك ما قرره بروتكول اتفاق كيوتو الخاص بتنفيذ الاتفاقية بشأن آلية التنمية النظيفة لمساعدة بعض الدول وشروط الاستفادة منها . ويُشكل مؤتمر الأمم المتحدة الثاني للبيئة والتنمية والذي عرف بمؤتمر قمة الأرض والذي إنعقد في ريودي جانيرو بالبرازيل (يونيه ١٩٩٢)، حدثاً بارزاً إنبثقت عنه خطة جديدة للتنمية المستدامة وبداية مرحلة مهمة في مسيرة العمل الدولي في مجال حماية البيئة وفي تأكيد حق الإنسان في أن ينعم بحياة صحية في بيئة تفي بمتطلبات صحته ورفاهه . ففي هذا المؤتمر وافق المجتمع الدولي على تحديد إطار دولي للتنمية المتواصلة والمستدامة ، وعلى حشد الموارد من أجل حل المشاكل البيئية على الصعيد العالمي ، مشدداً على أهمية زيادة التعاون الدولي في سياق التنمية المستدامة ((جدول أعمال القرن ٢١)) وتم الإلتزام إزاء مجموعة مشتركة من الأهداف المتعلقة بالمستقبل ، وهو أول اتفاق دولي يعبر عن توافق أراء دولي بالعمل من أجل، التقدم البيئي والاقتصادي ، وذلك في إطار برنامج للتنمية المستدامة .
وقد أكد المؤتمر على الترابط الوثيق بين البيئة والتنمية والتي اتخذها موضوعاً له، حيث يقرر إعلان “ريو” الصادر عن المؤتمر في ديباجته” لقد وصلت البشرية إلى لحظة حاسمة في تاريخها ولا تستطيع مواجهة هذه اللحظة إلا بالعمل معاً في شراكة عالمية من أجل التنمية المستديمة ” . هذه الفرضية هي أساس جدول أعمال القرن (٢١) الذي يتناول جميع المواضيع المتلازمة في حقلي البيئة والتنمية. وهو برنامج عمل دولي في ٤٠ فصلاً، يعرض ما يجب على العالم فعله لتحقيق التنمية المستديمة خصوصاً في الدول النامية.
وتعكس المبادئ التي أقرها إعلان “ريو” هذا الترابط الوثيق بين البيئة والتنمية، حيث يقرر المبدأ الثالث بأنه ” يتوجب إعمال الحق في التنمية حتى تفي بشكل منصف بالاحتياجات الإنمائية والبيئية للأجيال الحالية والمقبلة “.
وينص المبدأ الرابع على أنه ” من أجل تحقيق تنمية مستديمة، تكون حماية البيئة جزءا لا يتجزأ من عملية التنمية ولا يمكن النظر فيها بمعزل عنها” ويترجم المبدأ (٢٥) هذا الترابط بعبارات صريحة وواضحة حين يقرر بأن ” السلم والتنمية وحماية البيئة أمور مترابطة لا تنفصم ” .
في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – الحق في بيئة نظيفة (2/2)
دكتور. محمود سلامة
يشكل مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية (كوبنهاجن ١٩٩٥) حدثاً جامعاً ذا أهمية عالمية ونقطة انعطاف ذات شأن كبير في مسيرة العمل الدولي في مجال التنمية الاجتماعية التي تعتبر الإنسان ، بالتحديد الإنسان العامل، محور الاهتمام بالتنمية المستدامة ، وبحقه في أن ينعم بحياة صحية ومنتجة وعلى وفاق مع البيئة .
وترتيباً على ذلك يؤكد المؤتمر في البند (٦) من الإعلان الصادر عنه ((نحن مقتنعون عميق الاقتناع بأن التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة عناصر مترابطة تعزز بعضها البعض في التنمية المستدامة التي تعتبر إطار الجهود التي نبذلها لتحقيق نوعية أرقى لحياة جميع شعوبنا )) .
ومن بين التدابير المقترح اتخاذها على المستوى الوطني طبقاً للإلتزام السادس “ص” تعزيز الوعي البيئي في كافة السياسات والبرامج التعليمية والصحية بما في ذلك الوعي بأنماط الاستهلاك والإنتاج غير المستدامة .
وفي بكين (الصين) توج المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة (١٩٩٥) والذي انعقد تحت شعار ((التنمية والمساواة والسلم)) ، الدور الحيوي للمرأة في التنمية مؤكداً أنه لا يمكن تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والتنمية المستدامة إلا بتحسين المركز الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، داعياً إلى توفير الموارد لترجمة هذا الدور عملياً ، باعتبار أن القيمة واحدة لعمل الرجل والمرأة .
ويؤكد المؤتمر في البند (١٦) من الإعلان الصادر عنه بأن ((القضاء على الفقر بالاعتماد على النمو الاقتصادي المطرد ، والتنمية الاجتماعية ، وحماية البيئة ، وتوفير العدالة الاجتماعية يقتضي إشراك المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق تكافؤ الفرص ومشاركة المرأة والرجل مشاركة كاملة على قدم المساواة، باعتبارهما من عوامل تحقيق التنمية المستدامة الموجهة لخدمة البشر وباعتبارهما مستفيدين منها)) .
أما المؤتمر الأخير الذي عقدته الأمم المتحدة على مستوى القمة بالعقد الأخير من القرن العشرين وهو ((مؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية – الموئل الثاني، استانبول ١٩٩٦)) فهو يركز الاهتمام على مسائل التنمية في بيئة حضرية ملائمة ، ويتصدى لواقع التحول إلى المناطق الحضرية والعولمة المترابطين ببعضهما ، وعلاقتهما بإيجاد العمالة وحمايتها في الاقتصاديات النظامية وغير النظامية .
في هذا المؤتمر كانت البيئة إحدى النقاط المحورية في جدول أعمال المؤتمر حيث يورد البند الرابع من إعلان استانبول الصادر عن المؤتمر بأن ((ومن أجل تحسين نوعية الحياة داخل المستوطنات البشرية، لابد وأن نكافح تدهور الأوضاع الذي وصلت أبعاده إلى حد الأزمة في معظم الحالات ، وبخاصة في البلدان النامية ، وتحقيقاً لهذه الغاية، لا بد وأن نعالج ،على نحو شامل ، جملة أمور منها أنماط الاستهلاك والإنتاج غير القابلة للاستدامة)) .
وفي البند (١٠) من الإعلان ((ومن أجل إدامة بيئتنا العالمية وتحسين نوعية المعيشة في مستوطناتنا البشرية، نلتزم باتباع أنماط مستدامة للإنتاج والاستهلاك والنقل وتنمية المستوطنات وبالوقاية من التلوث ، وباحترام قدرة النظم الإيكولوجية على التحمل ، وبحفظ الفرص المتاحة من أجل الأجيال المقبلة . وسوف نتعاون في هذا الصدد ، بروح المشاركة العالمية لحفظ وحماية واستعادة صحة وسلامة النظام الإيكولوجي للأرض)) .
كما تدعو خطة العمل العالمية الحكومات إلى ((تعزيز تهيئة ظروف صحية وآمنه في أماكن العمل)) وأن تؤخذ بعين الحسبان ((المخاطر البيئية في المنزل وفي أماكن العمل)) وإلى ((تحسين السياسات التي تقلل المخاطر البيئية وتزويد القطاع غير النظامي وجميع العاملين بمعلومات ميسورة عن كيفية تعزيز السلامة المهنية وتقليل المخاطر الصحية )) .
أما المؤتمر الأول لقمة التنمية المستدامة الذي انعقد في مستهل العقد الأول من هذا القرن بمدينة جوهانسبرج (أغسطس ٢٠٠٢)، فقد أكد على المسئولية الجماعية للدول في تعزيز وتقوية أركان التنمية المستدامة المترابطة والمتداعمة ، وهي التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة وذلك على جميع الأصعدة الوطنية والإقليمية والعالمية منوهاً إلى أنه تم إحراز تقدم هام صوب تحقيق توافق عالمي في الأداء وشراكة بين جميع شعوب الأرض .
ويورد الإعلان الصادر عن المؤتمر في البند (١١) بأننا نسلم بأن القضاء على الفقر وتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة وحماية قاعدة الموارد الطبيعية وإدارتها من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي أهداف شاملة ومتطلبات أساسية للتنمية المستدامة . وفي البند (١٣) يورد الإعلان على أنه ((ولا تزال البيئة العالمية تعاني من التدهور فتناقص التنوع البيولوجي مستمر ، وكذلك استنفاذ الأرصدة السمكية، والتصحر يُتلف مساحات متزايدة من الأراضي الخصبة ، والآثار الضارة لتغير المناخ باتت واضحة ، وتزايد حدوث الكوارث الطبيعية وما يترتب عليها من دمار ، وأضحت البلدان النامية أضعف حالاً ، ولا يزال تلوث الهواء والمياه والبحار يحرم ملايين الأشخاص من العيش الكريم )) .
وفي البند (١٤) يقرر الإعلان ((لقد أضافت العولمة بعداً جديداً إلى هذه التحديات. فتكامل الأسواق السريع وحركية رؤوس الأموال والزيادات الهامة في تدفقات الاستثمارات حول العالم طرحت تحديات وفرصاً جديدة بالنسبة لتحقيق التنمية المستدامة بيد أن فوائد العولمة وتكاليفها موزعة بشكل متفاوت ، والبلدان النامية تواجه صعوبات خاصة في مجابهة هذا التحدي )) .
أما البند قبل الأخير من الإعلان رقم (٣٦) فيعلن المؤتمر التزامه بخطة تنفيذ نتائج مؤتمر القمة العالمية للتنمية المستدامة والإسراع بتحقيق ما تتضمنه من أهداف اجتماعية واقتصادية وبيئية محدودة زمنياً)) .
ويمكن القول بأن هذه المؤتمرات العالميه قد أتاحت فرصاً سانحة أمام الدول الأعضاء ، وكذا المنظمات الدولية والإقليمية ، حكومية وغير حكومية ، للتفكير معاً في الخيارات الرئيسية المناسبة لمواجهة التحديات التي يواجهها العالم فيما يتعلق بالتنمية من جوانبها المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والمكانية والسكانية والبيئية وغيرها بطريقة متكاملة ومترابطة إلى حد ما ، مما عزز ثقافة التنمية ، ووسع من مفاهيمها ومرتكزاتها ، أي تحقيق تنمية بشرية مستدامة يكون محورها البشر وأداؤها ((العمل المنتج)) .
ولئن كانت هذه اللقاءات العالمية قد ركزت على المسائل الاستراتيجية بعيدة المدى من حيث الأهداف والتوجهات على أعلى المستويات فإنها توفر للدول الأعضاء إمكانات صياغة وتعميم سياسات وطنية تتسق وتنسجم مع القيّم والمبادئ والأهداف التي ارتسمها المجتمع الدولي كإطار عام لعمل دولي / وطني مترابط متناغم . وهذه اللقاءات رفيعة المستوى أعطت التوجيه السياسي قوة دفع جديدة للجهود الدولية ، وتشكل في الوقت ذاته مصدر إيحاء وتحفيز وتشجيع بالنسبة لحكومات الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والإقليمية وكذلك عناصر المجتمع المدني في سائر الدول لبلوغ أهداف التنمية الشاملة.
ومسايرة للجهود الدولية الرامية لرفع مستوى حياة الجنس البشري بواسطة التنمية المستدامة لجوانب الحياة الاجتماعية، والاقتصادية ، والبيئية والثقافية، وصولاً إلى حياة إنسانية كريمة تزدهر في بيئة صالحة لتلك الحياة ، فقد أكد الإعلان الصادر عن المؤتمر الأول لوزراء البيئة في الدول الإسلامية الذي انعقد بجدة في يونيه ٢٠٠٢ تنفيذاً لقرار مؤتمر القمة الإسلامي التاسع بشأن البيئة من منظور إسلامي، في مادته الثالثة على أن (( البيئة هبة الله ، خلقها – سبحانه – لتلبية حاجات الإنسان الحياتية ، وعلى الأفراد والمجتمعات والدول، حمايتها وتنمية مواردها الطبيعية، بما في ذلك الهواء، والمناخ ، الماء، والبحر ، والحياة النباتية والحيوانية ، ولا يجوز في أي حال من الأحوال ، إحداث أي تلويث أو تغيير جوهري في عناصر نظام البيئة يخل بتوازنها )) ..
ويؤكد المؤتمر في المادة الرابعة من الإعلان على حق الإنسان في بيئته حين يقرر (( من حق الإنسان التعليمُ والعملُ ليسهم في تنمية بيئته، وليوفر لنفسه ولأسرته الحياة الكريمة ، ومن حقه العيش في بيئة نظيفة من المفاسد والأوبئة ، لتكون حياته صحية ولائقة ، وعلى المجتمع والدولة أن يوفرا له ، وفق الأنظمة المتبعة ، هذه الحقوق ليتمتع بإنسانيته الكاملة في ظروف مادية ومعنوية مقبولة ، وليتمكن بدوره من الإسهام في التنمية المستدامة لمجتمعه ، وللمرأة حقّها باعتبارها شريكاً كاملاً في مسيرة التنمية المستدامة)) .
وفي المادة السابعة (د) يشدد المؤتمر على ((ضرورة قيام المجتمع الدولي بردع التصرُّفات والسياسات والممارسات المؤثرة على البيئة والإنسان والمعرقلة لمسيرة التنمية للأفراد والجماعات ، والتي تشمل قتل البشر ، وهدم المنازل ، وتهديد الموارد الطبيعية ، وتلويث البيئة بالأسلحة الفتاكة ، ونزف مصادر المياه ، والمخالفة المتعمدة للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية واستخدام قاعدة الموارد الطبيعية بإسراف وتبذير دعماً لأنماط الاستهلاك غير الرشيدة )) .
وفي اتجاه موازٍ للجهود الدولية التي بذلتها الأمم المتحدة، وكذلك الجهود الإقليمية بشأن حماية البيئة وصلتها بالتنمية ، بذلت منظمة العمل الدولية جهوداً متواصلة نبهت إلى أهمية الصلة بين البيئة والتنمية. ففي عام ١٩٧٢ والذي انعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة الأول للبيئة في استوكهولم ، خصص المدير العام لمنظمة العمل الدولية تقريره السنوي والمقدم لمؤتمر العمل الدولي في دورته السابعة والخمسين في عام ١٩٧٢ لموضوع ((التكنولوجيا من أجل الحرية – الإنسان في بيئته – اسهام منظمة العمل الدولية)) .
وفي ذات العام أيضاً أصدر المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية قراراً يتعلق بإسهامات منظمة العمل الدولية في حماية بيئة العمل وتحسينها، وقد أكدت ديباجة القرار وبعض نصوصه على أهمية العلاقة الوثيقة بين البيئة والتنمية، إذ ورد في الديباجة ((وإدراكاً من مؤتمر العمل الدولي بأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الفائقة الأهمية في بلوغ الأهداف المنصوص عليها في دستور منظمة العمل الدولية ، وبوجه خاص تحسين ظروف العمل ورفع مستويات المعيشة ، لا ينبغي أن تؤدي إلى تدهور في نوعية الحياة البشرية أو في البيئة التي يحيا ويعمل فيها البشر)) .
وفي موضع آخر تورد الديباجة ((وإذ يؤكد على أن التنمية الاقتصادية ضرورية من أجل تأمين الرفاه في البلدان النامية ، على ألا يغيب عن البال أنها ينبغي أن تتم في سياق السياسات العامة الهادفة لصون وتحسين كل من بيئة العمل والبيئة البشرية)) .
ويدعو القرار في الفقرة (٥/ب) الحكومات ومنظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال على أن ((تتعاون تعاوناً وثيقاً في وضع وتنفيذ سياسات شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ترمى إلى حماية البيئة البشرية وضمان توزيع واستخدام الموارد بما يعود بالفائدة على المجتمع بوجه عام وعلى نوعية الحياة التي يحياها)) .
وتتضمن الفقرة (٦) من القرار دعوة المؤتمر الدول إلى اتخاذ عدد من التدابير البيئية عند صياغة سياستها الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية .
وفضلاً عما تقدم ، فقد تضمن التقرير الذي قدمه مجلس إدارة منظمة العمل الدولية عن إسهامها في التنمية المتواصلة والسليمة بيئياً في عام ١٩٨٩ إلى الدورة الرابعة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة تنفيذاً لقراريها رقمي ١٨٦/٤٢، ١٨٧/٤٢، ما يوضح العلاقة الوثيقة بين البيئة والتنمية ، حيث أشار إلى ما تضمنه تقرير اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية بعنوان ((مستقبلنا المشترك)) والمعروف بتقرير برونتلائد نسبة إلى (رئيس وزراء النرويج) والذي طرح فكرة أساسية تقوم على أن ((التنمية الاقتصادية والاجتماعية ينبغي أن تقوم على أساس مفهوم التنمية المتواصلة)) أي ((التنمية التي تعنى باحتياجات الحاضر دون الإخلال بقدرة الأجيال المقبلة على الوفاء باحتياجاتها)) . ويؤكد تقرير لجنة برونتلائد وكذلك تقرير لجنة المنظور البيئي حتى سنة ٢٠٠٠ وما بعدها)) العلاقة بين البيئة والعمالة وبين الفقر والتنمية ويقرر ((أن الفقر هو سبب ونتيجة رئيسين للمشاكل البيئية العالمية . وأن عالماً يتوطن فيه الفقر سيكون دائماً عرضة للأزمات البيئية وغيرها من الأزمات)).
وأياً ما كان الأساس الذي تنطلق منه هذه المواثيق والاتفاقيات بشأن العلاقة بين البيئة والتنمية، فإنه لا خلاف على أن حق الإنسان في بيئة تفي بمتطلبات صحته ورفاهه بات مقرراً ومعترفاً به وأن حماية البيئة أصبحت التزاماً يجب الوفاء به من جميع الدول – متقدمة أو نامية – ، وأن أضرار البيئة وتدهورها يتجاوز حدود الدول مما يوجب التعاون الدولي بينها في مقاومة هذا التدهور ، وأن العلاقة بين البيئة والتنمية – أياً كان توصيفها أو تكييفها – فإنه ينبغي أن تؤدي التنمية الاقتصادية إلى حماية البيئة والحد من الإضرار بها ، ولن تكون كذلك إلا إذا أصبحت حماية البيئة جزءاً من التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وهو ما أكده مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة الذى انعقد في نيويورك 1997.
وتجدر الإشارة إلى أن الاعتراف بحق الإنسان في بيئة نظيفة مؤداه قيام الدول بالتدخل إيجابياً لتقريره وفق إمكاناتها وبالاعتماد على مواردها الذاتية التي تتيحها قدراتها . غير أنه ينبغي التنبيه إلى أمر جوهري وهو أن هذا الحق يندرج في إطار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، وهي الحقوق التي يستحيل بالنظر إلى طبيعتها صونها لكل الناس في آن واحد، بل يكون تحقيقها في بلد ما مرتبطاً بأوضاعها وقدراتها ونطاق تقدمها ، وعمق مسئولياتها قبل مواطنيها ، وإمكان النهوض بمتطلباتها، فلا تنفذ هذه الحقوق نفاذاً فورياً، بل تنمو وتتطور وفق تدابير تمتد زمناً ، وتتصاعد تكلفتها بالنظر إلى مستوياتها وتبعاً لنطاقها ، ليكون تدخل الدولة إيجابياً لإيفائها متتابعاً ، واقعاً في أجزاء من إقليمها منصرفاً إلى بعض مدنها وقراها إذا أعوزتها قدراتها على بسط مظلتها على المواطنين جميعاً . ذلك أن مسئوليتها عنها مناطها إمكاناتها ، وفي الحدود التي تتيحها ، ومن خلال تعاون دولي أحياناً.
وهذا ما تؤكده صراحة الفقرة الأولى من المادة الثامنة من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أن تتعهد الدول المعتبرة طرفاً في العهد بأن تتخذ بمفردها ، وكذلك بالتعاون مع غيرها من الدول من الناحيتين الاقتصادية والتقنية التدابير الملائمة – وعلى الأخص التشريعية منها – التي يقتضيها التحقيق الكامل للحقوق التي أقرها ذلك العهد، على أن يكون إيفاؤها متتابعاً، وبما تسمح به مواردها .
على أن قيام الدول بالوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها في مجال البيئة يواجه تحديات كبيرة لا ينبغي التقليل منها . فالتقدم الصناعي والتكنولوجي، وتسابق الدول جميعها – المتقدم منها والنامي للإستفادة من الثورة العلمية والتكنولوجية والسعي لتحقيق معدلات عالية لنموها الاقتصادي والاجتماعي، من شأنه أن يجعل البيئة أكثر عرضة من ذي قبل للإستغلال غير الرشيد لمواردها الطبيعية .
هذا فضلاً عن تعارض بعض الاتفاقيات البيئية مع اتفاقيات (WTO)، حيث توجد (١٩) اتفاقية بيئية تتضمن بنوداً تجارية واقتصادية مختلفة لحماية البيئة تتعارض واتفاقيات (WTO) منها اتفاقية التجارة الدولية في الكائنات المهددة بالإنقراض (١٩٧٣) واتفاقية بازل للتحكم في النفايات الخطرة والتخلص منها وبروتوكول مونتريال والسابق الإشارة إليهما .
يضاف إلى ذلك، البعد البيئي في اتفاقية الملكية الفكرية(TRIPS). فالاتفاقية تمنح حق الملكية الفكرية لمبتكري التكنولوجيا لجني مكاسب احتكارية من خلال البراءات والعلامات التجارية للتكنولوجيا الحديثة ، بينما لا تحمي الاتفاقية التنوع الحيوي والموارد والمعرفة المصاحبة لها – فمثلاً تستغل شركات الأدوية والكيماويات الأمريكية غابات الأمازون للحصول على خامات بيولوجية وهو ما يهدد بانهيار نظم بيئية بهذه الغابات.
تتواصل جهود المتحدة لحماية البيئة والتنمية، ويندرج في هذه الجهود متابعة تنفيذ إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية، والفصل 19 من جدول أعمال القرن 21 الخاص بالإدارة الرشيدة بيئيًا للمواد الكيميائية السامة، ومبادئ لندن التوجيهية المعدلة لتبادل المعلومات عن المواد الكيميائية المتداولة في التجارة الدولية، وما تضمّنته مدونة قواعد السلوك الدولية ومدونة الأخلاقيات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في هذا الخصوص.
وكذلك ما تضمنته اتفاقية روتردام عام 2013 المتعلقة بتطبيق إجراءات الموافقة المسبقة عن علم على مواد كيميائية ومبيدات آفات معينة خطرة متداولة في التجارة الدولية، والتي تهدف إلى تشجيع المشاركة في المسؤولية والجهود التعاونية فيما بين الأطراف في التجارة الدولية بمواد كيميائية خطرة، بُغية حماية صحة البشر والبيئة من أضرار محتملة.
ويندرج في هذه الجهود أيضًا اتفاقية ميناماتا التي وقعت في كوما موتو باليابان عام 2013 لحماية صحة الإنسان والبيئة من الآثار السلبية للزئبق ومركباته، ودخلت حيز التنفيذ عام 2017. وكذلك اتفاقية باريس عام 2015 التي تهدف إلى تعزيز الجهود الدولية الرامية لمواجهة الآثار الضارة لتغير المناخ وتحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر.
و أيضًا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في أغسطس 2023 بشأن حفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولايات الوطنية، واستخدامه على نحو مستدام، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
وقد توافقت الجهود الدولية التي أشرنا إليها فيما تقدم، وما صدر عنها من اتفاقيات ومواثيق وخطط وبرامج وإعلانات، على أن حق الإنسان في بيئة تفي بمتطلبات صحته ورفاهه.
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق
والأستاذ المنتدب بكلية حقوق القاهرة










