أما عن أمس المسرح فلقد اجتهد وعمل بكد فيه الرواد الأوائل حتى صار معربا على صورته التي تلقناها من الغرب ، وتلاحموا مع الجمهور وثبتوا للمسرح مكانا بارزا في الذائقة العربية فنيا وفكريا وثقافيا ، حتى كان لسان حال ما يجيش في صدورهم ، محققا بتعريبه المتعة الفكرية والفنية والترويحية ، ترجموا وألفوا وتعلموا واجتهدوا وصارت لهم خبراتهم المتراكمة التي أفلحت في تشييد صرحا اسمه المسرح العربي.
أما حاضره فهو البائس البائس الغريب المغترب الذي لا يقيم وزنا للجمهور، والذي اقتنصته مافيا النخبة المهرجاناتية المهيمنة على مقدراته بحكم مناصبهم وتواجدهم مدعومين بتابعيهم
ممن تربعوا وجثموا على سدة الإعلام مسرحي لمجموعة مهللين ومطبلين فاسدي الضمير مع تقييد حركة ونبذ لأصحاب الأقلام الشريفة ، في وقت ينفر ويفر الممثلون من العمل بالمسرح للأفلام والمسلسلات التليفزيونية، وأما العرض فهي الهزيلة إذ يسودها إبراز القدرة على الابتكار في استخدام العناصر الجمالية دونما النظر إلى تناسبها ومحتوى العرض في تنافر فج ، والأدهى من ذلك تنافرها مع الجمهور نفسه الذي بادرهم بقطيعة العروض المسرحية لتفاهتها وغرابتها واصطدامها بفكره وموروثاته وعقائده وأخلاقياته ، ناهيك عن حركة نقدية أعجمية اللسان والفكر تسعى حثيثا وراء مصطلحات يحشرونها حشرا في العملية النقدية المهترئة ، بالإضافة إلى تبديد طاقة دارسي الفنون في دراسة المسرح القديم دونما اهتمام بواقع المسرح الذي لم يتبق منه إلا أطلال مسارح يتقلص عددها في ضراوة وقد هجرها الجمهور ومعه ذكريات لأمجاد مسرحية ورواد عظماء ، ولا يقف في وسط هذا الانهيار إلا محمد صبحي القلعة بمسرحه مبقيا على المسرح الفن والرسالة الخالدة .
أما عن مستقبل المسرح للأسف مع أولئك الجاثمين على سدته والذين حولوه لنشاط مهرجاناتي فتستمر مسيرته نحو الهاوية ، فهم يمسرحون ويتمسرحون على هواهم أي يغنون ويرودن على بعضهم يخدعون الرأي العام بنشاط هزيلة ومهرجانات صفرية المردود .
وكل هذا مرده إلى خيابات ورعونة حفاري قبر فن المسرح بمصالحهم الضيقة وترديدهم كالببغاوات لمصطلحات الجبانة الفنية مثل موت المؤلف ..موت الناقد .. موت المخرج.. وصلا إلى موت الجمهور في أعينهم فلا يقيمون له وزنا ولا اعتبارا .










