كثيرا ما نغضب من السياسة لا لأنها قاسية بل لأنها لا تشبه الصورة التي رسمناها لها في خيالنا. نريدها عادلة على الدوام واضحة بلا التواء أخلاقية بلا حسابات بينما هي في حقيقتها مساحة صراع معقدة تدار بالمصالح قبل النوايا وبالتوازنات قبل العواطف. وحين نصطدم بهذه الحقيقة نخلط بين النقد المشروع وبين الرفض الكامل وبين الفهم والتحامل .. السياسة كما تمارس لا كما تدرس ليست ساحة مثالية ولا مسرحا للأبطال بل حقل ألغام تحكمه معادلات دقيقة. من لا يقرأ هذه المعادلات جيدا إما أن يقع ضحية الوهم أو يتحول إلى ناقد غاضب لا يملك بديلا. وهنا تبدأ المشكلة: حين نطالب السياسة بأن تكون أخلاقا خالصة ثم ندينها لأنها لم تكن كذلك.
في الواقع لا تدار الدول بالنوايا الحسنة وحدها ولا تبنى القرارات الكبرى بمنطق المثاليات. هناك اقتصاد يضغط ومجتمع يتغير وإقليم مضطرب وعالم لا ينتظر أحدا. وسط هذا كله يتحرك صانع القرار وهو يعلم أن كل اختيار له ثمن وأن أخف الضررين قد يبدو للبعض خيانة بينما هو في الحسابات الباردة ضرورة.
الأخطر من سوء فهم السياسة هو الرغبة في تبسيطها. تحويلها إلى أبيض وأسود وطني وخائن صواب مطلق أو خطأ مطلق. هذا التبسيط لا يخدم الوعي العام بل يغذي الاستقطاب ويغلق مساحات النقاش العقلاني. السياسة بطبيعتها رمادية ومن يرفض هذا الرمادي إما لم يدخلها بعد أو خرج منها غاضبا.
وفي كثير من الأحيان لا تكون الأزمة في القرار ذاته بل في التوقعات المبالغ فيها. نحمل السياسة ما لا تحتمل وننتظر منها حلولا فورية لأزمات تراكمت لعقود. وحين لا يحدث ذلك، نعلن الفشل دون أن نسأل: هل كانت الأدوات كافية؟ هل كانت الظروف مواتية؟ أم أننا أردنا نتائج بلا كلفة؟
الخطاب العام اليوم يعاني من مفارقة خطيرة: يطالب بالواقعية لكنه يرفض نتائجها. يريد الاستقرار دون أن يقبل بتنازلاته. يريد الإصلاح دون أن يتحمل آلامه. يريد دولة قوية لكنه يتوجس من قرارات القوة. هذه الازدواجية لا تربك السياسة فقط بل تربك المجتمع نفسه وتخلق فجوة بين ما يقال وما يمكن فعليًا تحقيقه.
السياسة كما هي ليست مؤامرة دائمة ولا بطولة مستمرة. هي إدارة مصالح في عالم غير عادل ومحاولة تقليل الخسائر أكثر من تحقيق المكاسب. من يفهم ذلك يستطيع أن يقيم القرارات بميزان العقل لا الانفعال وأن يفرّق بين الخطأ القابل للتصحيح والانهيار الحقيقي.
وهنا تظهر أهمية الوعي السياسي لا بوصفه ترفا نخبويا بل ضرورة مجتمعية. الوعي الذي لا يصفق تلقائيا ولا يرفض تلقائيا بل يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وبأي ثمن؟ هذا النوع من الوعي هو ما يحمي السياسة من الشعبوية ويحمي المجتمع من الخيبات المتكررة إن أخطر ما تواجهه السياسة اليوم ليس الخصوم بل التوقعات غير الواقعية. حين نصر على أن تكون السياسة كما نحب أن نراها لا كما هي فإننا ندفعها إما إلى النفاق أو إلى القطيعة مع الناس. الأولى أخطر والثانية مكلفة.
الاعتراف بطبيعة السياسة لا يعني تبرير الأخطاء ولا الصمت عن الفشل بل يعني ممارسة نقد ناضج، يعرف حدود الممكن ويفرق بين ما نتمناه وما يمكن تحقيقه. السياسة لا تحتاج إلى مزيد من الغضب بقدر ما تحتاج إلى فهم أعمق ومساءلة أهدأ ونقاش أقل صخبا وأكثر مسؤولية.
في النهاية السياسة كما هي قد لا تعجبنا لكنها تظل الأداة الوحيدة لإدارة الاختلاف وتنظيم المصالح ومنع الفوضى. ومن لا يتعامل معها بوعي سيظل أسير خيبة دائمة يرفض الواقع دون أن يمتلك بديلا ويُدين القرارات دون أن يرى الصورة كاملة.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال: لماذا لا تشبه السياسة أحلامنا؟
ونبدأ في سؤال أكثر نضجا: كيف نجعلها أقل كلفة… وأكثر عدلا في حدود الممكن؟










