يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن يصدمنا بتصريحاته ومشروعاته وصفقاته المريبة، وكلما شعر يثقل صدمته علينا راوغنا بكلام مخدر حتى نهدأ ثم يعود ليصدمنا بنفس الأفكار والمشروعات والصفقات تحت عناوين جديدة، تختلف المفردات ويختلف السياق ولكن يبقى الجوهر دون تغيير، حدث هذا مع (صفقة القرن) أثناء ولايته الأولى ويحدث الآن في مشروع (غزة الجديدة)، الذي يتحمس له كمشروع استثماري عقاري سياحي تابع له شخصيا، يتم فيه توظيف أهل غزة بأجور مجزية كي يأكلوا ويشربوا ويسكنوا ويتمتعوا بالرفاهية، ليس باعتبارهم شعبا حرا له حق العيش في وطنه وحق تقرير المصير وحق السيادة على أرضه، وإنما باعتبارهم سكانا وأجراء يعملون ويتكسبون في (ريفييرا الشرق).
كانت تصريحات ترامب وفريقه التفاوضي في دافوس الأسبوع الماضي كاشفة لما ستكون عليه (غزة الجديدة)، فقد قال حرفيا: “سنكون ناجحين جدا في غزة، أنا رجل عقارات، انظروا إلى هذا الموقع على البحر، انظروا إلى هذه القطعة الجميلة من الأرض وماذا يمكن أن تكون عليه، سيكون لدينا من الإمكانيات ما لا يصدق، وغزة الجديدة ستكون شيئا مذهلا وفرصة استثمارية كبيرة”.
وفي الجلسة ذاتها قدم صهره جاريد كوشنر عرضا تفصيليا للمشروع يتضمن “ناطحات سحاب فاخرة وأبراجا سكنية حديثة ومنتجعات سياحية ساحلية، ومراكز بيانات ومناطق تجارة حرة، وفرص عمل للسكان”، الأمر الذي يعني أننا أمام (مشروع الريفييرا) القديم، وأن موقع غزة (المذهل) سيكون وبالا على أهلها، الذين سيصبحون على يد ترامب إما سماسرة وتجار مع السياح ورجال الأعمال الأجانب (اليهود غالبا)، وإما عاملين في الخدمات المتدنية بالمنتجعات والفنادق والمولات.
وهكذا يكون ترامب قد نجح نجاحا تاريخيا باهرا في خدمة المشروع الصهيوني كما لم يخدمه رئيس قبله ولن يخدمه رئيس بعده، على حد قوله، واستطاع بخبث سياسي أن يجعل من شعب غزة الحر المناضل البطل خدما وعبيدا لأثرياء العالم، لايملكون من أمرهم شيئا، ولا يتطلعون إلى الحرية، فهم على الورق تحت الوصاية الأمريكية بقرارت أممية، وعلى الأرض في قبضة الاحتلال الإسرائيلي.
وفي دافوس أيضا وقع ترامب على ميثاق تأسيس (مجلس السلام) الذي سيرأسه شخصيا حتى بعد ترك منصبه، وكان المفترض أن تكون لهذا المجلس مهمة واحدة محددة هي إعادة إعمار غزة في غضون 3 سنوات، تنتهي بإجراء انتخابات حرة ديمقراطية يختار فيها شعب غزة مع باقي الشعب الفلسطيني في الضفة من يحكمه من أبنائه في دولته المستقلة، لكن ترامب حول المجلس بهذا الميثاق إلى هيئة (ترامبية) عالمية، تخضع له شخصيا، وتكون بديلة عن الهيئات والمؤسسات الدولية، تتجاوز الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها، وتتجاوز أيضا القانون الدولي، وتحتكم إلى قانون ترامب وحده، بعيدا حتى عن القانون والمؤسسات الأمريكية.
ولو نجحت خطة الاستيلاء على غزة وإخضاعها لرؤية ترامب الاستثمارية فسوف يجري تطبيق هذا النموذج في غيرها من بقاع الأرض، وخصوصا الأرض العربية التي تعاني صراعات وحروبا داخلية سوف تستدعي تدخل مجلس السلام (المزعوم) بحجة إنهاء الحروب، ثم الانقضاض على الأرض وتحويلها إلى مشروع استثماري لصالح مجموعة شركات ترامب العقارية التي تعمل بعقول وأذرع صهيونية.
لقد خطفت العولمة الأمريكية العالم إلى سيادة القطب الواحد وأنهت تعدد الأقطاب، واليوم يريد ترامب أن يخطف العالم إلى سيادته الشخصية، وينصب نفسه بالقوة إمبراطورا أبديا على الكرة الأرضية، رغم اعتراض الأصدقاء قبل الأعداء.
وإذا كانت خطط تهجير أهل غزة قد فشلت فإن مجلس السلام والمجلس التنفيذي سيعملان بلا كلل من أجل تغيير شعب غزة من الداخل، عبر الخطط والمناهج التعليمية والثقافية والدينية التي تصاغ الآن بعناية فائقة لتغيير هوية الشعب، ونزع كل ما يربطه بجذوره العربية والإسلامية وتراثه المعرفي، فلا يفكر في فلسطين أو التحرير أو المقاومة أو الجهاد أو الإسلام أو العروبة، ستكون هذه مفردات منبوذة تماما في (غزة الجديدة) مثلما كانت كلمتا هتلر والنازية منبوذتين في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.










