حين يتحول المسرح إلى سوق
ليس أخطر على المسرح من قلة الإمكانيات ، بل أخطر ما يهدده هو أولئك الذين اكتشفوا أن الفن يمكن أن يكون “سبوبة” لا يصنعون عرضًا من أجل فكرة ، ولا يؤمنون برسالة المسرح ، وإنما يبحثون عن مهرجان جديد ، ولجنة جديدة ، وصورة جديدة ، وشهادة تعلق على الحائط ، ثم ينتقلون إلى المهرجان التالي وكأنهم تجار يتنقلون ببضاعتهم ..
هؤلاء لا يرون في المهرجانات مساحة للإبداع ، بل يرونها فرصة لتحقيق مكاسب شخصية .. يغيرون وجوههم مع كل إدارة ، ويبدلون مواقفهم مع كل لجنة تحكيم ، ويجيدون التصفيق أكثر مما يجيدون صناعة المسرح .. وإذا تغيرت الرياح ، تغيرت مبادئهم معها ..
المشكلة ليست في الحصول على دعم أو جائزة ، فهذا حق لكل فنان مجتهد ، لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح الدعم هو الهدف ، والجائزة هي الغاية ، ويصبح العرض المسرحي مجرد وسيلة للوصول إلى مكسب أو منصب أو رحلة أو صورة على مواقع التواصل ..
المسرح الحقيقي لا يعيش على المجاملات ، بل يعيش على الصدق .. العرض الذي يولد من أجل مهرجان ينتهي بانتهاء المهرجان ، أما العرض الذي يولد من أجل الجمهور فيبقى في الذاكرة سنوات ..
وللأسف ، فإن تجار السبوبة يلوثون المناخ الفني .. يخلقون شللاً مغلقة ، ويقصون المواهب الحقيقية ، ويحتكرون الفرص ، حتى يظن الفنان الشاب أن النجاح لا يأتي بالاجتهاد ، بل بالعلاقات والمصالح ..
لكن التاريخ لا يحفظ أسماء المتسلقين طويلًا .. يحفظ من ترك أثرًا ، ومن خاطر بفنه ، ومن احترم جمهوره ، ومن صعد إلى خشبة المسرح ليقول شيئًا يستحق أن يُقال ..
المهرجانات ستتغير ، واللجان ستتبدل ، والكراسي لن تدوم لأحد .. أما المسرح ، فسيبقى دائمًا أكبر من كل تاجر ، وأطهر من كل سبوبة ، لأن الفن الحقيقي لا يُباع ولا يُشترى ، وإنما يُصنع بالموهبة والعرق والضمير .










