تمثلات الغربة الوجودية في الخطاب الشعري المعاصر
(إليكم آخر أشعاري) أنموذجًا للدكتورة هدى الجلبي دكتوراه في الأدب الإنجليزي كلية الآداب جامعة عين شمس وعضو اتحاد كتاب مصر
لقد أضحى العالم اليوم قرية صغيرة يعرف القاصي منها الداني، فلم تعد هناك حدود اجتماعية فاصلة، وأصبح التطور سمة من سمات العصر التي تركت بصماتها في شباب اليوم، وخلقت فجوة بين جيلين: جيل الشباب وجيل الكبار.
إن التطور وما يصحبه من تأثرات وتغيرات جعل البشر في سعة من العيش، ولكنه قضى على إحساس القناعة لديهم؛ فلم يعد أحد يرضى بوضعه، وأصبح الطمع والغدر والخيانة سمات أساسية تغلف الطبائع البشرية، وهي سمات لا تظهر على مستوى الفرد فحسب؛ بل لها تأثيرات بالغة في علاقات الدول والشعوب والمجتمعات، والشاعر ليس بمنأى عن كل هذا، فهو كائن يشعر بما حوله ويتأثر به ويظهر صداه في كلماته وتعبيراته العذبة، وهي كلمات تصف حاله المغترب في شاعرية ورومانسية وسط كل هذه الاحقاد والصراعات والفتن.
لقد أضحت غربة الشاعر المعاصر سمة مؤثرة بقوة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، وهي سمة تعكس الصراعات التي يخوضها بقلبه ووجدانه الذي ينزف بقوة وسط كل هذا في عالم يمتلئ بالصخب والتوتر وانعدام الإخلاص.
ولعل من بين من تأثروا بهذا الشعور القاتم شاعرتنا هدى جلبي التي قدمت لنا تحفة شعرية جمعت فيها ثماني وعشرين قصيدة عبرت من خلالها عن مشاعرها في فتره الصبا والشباب، وعنونت له بعنوان لافت هو: (إليكم آخر اشعاري)، ولا يخفى على الناقد أن هذا العنوان له سيميائية دالة على شعور لا يقف عند حدود الظاهر، فالعنوان ليس وصفًا لحال كلماتها التي انتهت إليها أناملها، وإنما قد يشير إلى اغتراب الشاعر في المكان والزمان وبين الأشخاص الأقارب والأغيار، فلعلها نبرة حزن قاتمة تعبر عن عجز مداد قلمها الخصب عن الكتابة بعدما انهار عالمها الحالم الرومانسي وسط كل هذه الصراعات.
ولعل إهداء الديوان إلى نساء غزة الثكالى المناضلات وسط الحطام وأنات الصغار ودماء الأبطال يعكس غربة المكان لديها، فهي تعبر عن نظرة شاعرة مصدومة فيمن حولها وفيما حولها من صراعات وقتل وتدمير وخراب.
ويؤكد ذلك ما ورد في مقدمتها من تعبير صادق عن إحساسها بالهروب، فهي تهرب بين قصائدها من صوت الدمار وصياح الأشرار وفتن الشعوب والأقارب والأغيار، فتقول: “فكانت قصائدي هي جزيرتي تلك، أهرب إليها بين الفينة والأخرى كي أحيا فيما أبث أوراقي من أفكاري ومشاعري التي جاد بها القلب على مر سني العمر”.
إنه إحساس صادم ألا يجد الشاعر رفيقًا يبثه أحزانه وهمومه وآماله، فلا يجد سوى الورق يهرب إليه بكلماته ومشاعره معبرًا عن اغتراب الشاعر في عصر بلا رومانسية ولا استقرار.
وقد غلب على الشاعرة أحاسيس الحزن والفقد والاشتياق، وهي أحاسيس غالبة على قلب كل مغترب، وتزداد جذوتها مع الشاعر لصدق أحاسيسه وعمق تأثره، وبرز ذلك في عناوين قصائدها مثل: كفاني حزن أيامي، وفراشة تحترق، وأوهام العمر، وفي حيرتي، وأفتقدك، وأين الكلمات، وغيرها من قصائد يغلب عليها الطابع الحزين والاغتراب في المكان والزمان وبين الرفاق.
ولا تخلو القصائد من إشارات لأعمال الكاتبة الروائية؛ فهي تتناص مع ذاتها معبرة عن ملامح من رواياتها ومتخذة من بعض الأوصاف لديها عناوين لقصائدها في هذا الديوان وما يحمله من أبيات شاعرة، ومن ذلك عنوانا قصيدتيها: غزالتي العاصية، وحسنائي المتعجرفة، بل إن ذلك الأمر تعدى إلى التناص مع عنوان روايتها الشهيرة: أصداف ورمال، حيث اتخذت منه تعبيرًا في إحدى قصائدها بعنوان: حلم فتاة، فتقول في مطلعها:
كان هناك بيت وأصداف ورمال
وفتاة تداعب الأمواج والمحار
ولا شك أن التناص مع الذات يعكس بقوة التجربة الشعورية وامتداد أمواجها لتشكل وجدان الشاعرة التي لم تفصل شعورها في الشعر عنه في الرواية والقصة، فامتدت آفاق ذلك التأثر بشكل واضح في كل تراكيبها اللغوية وتعبيراتها الأدبية.
إن الشعور بالاغتراب في الخطاب الشعري المعاصر لا يتعلق بالمكان أو الزمان فقط، وإنما يمتد إلى الرفاق والأقارب والأغيار، فهو شعور بافتقاد النفوس المخلصة في زمن زائف بلا وفاء ولا أمان، ويتضح ذلك في بعض قصائدها مثل قصيدتها: جارتي؛ التي رأت فيها عنوانًا للغدر والخيانة والشر وخبيئة للمكر والنفاق فتقول:
رأيت الشر عنوانا لعينيها
نذير بلاء وخبيئة صدرها أمر وأدهى
دنت حولي من غير حسبانا
كأنثى العنكبوت تبث أحقادها سمًا
وشعورها بعدم الأمان وصدمتها فيمن حولها يمتد إلى قصائد أخرى منها قصيدة: غزالتي العاصية؛ التي وصفتها بالغدر والخيانة فتقول:
رماني الزمان بسهم غدر
يعذبني وقع النصال على النصال
وهي متأثره بألفاظ من البيئة العربية في البادية، وهذا يعكس ملمحًا تراثيًا لتعبيراتها اللغوية التي تأثرت بلغة التراث ونهلت منها تعابير صادقة.
وها هي تصف حسناءها المتعجرفة بقولها:
غيداء جميلة قست
فقسا الزمان وقسا العمر
وهو إحساس بالتناقض بين الظاهر والباطن؛ فالباطن شر وقسوة لا يعكس جمال الصورة وبهاء الطالع. ولعل أصدق تعبير عن حالها وصفها لتلك الفراشة التي تحترق بين الناس في المساء الحزين، وهي مناضلة نحيلة شاحبة، ولكنها لا تقوى على القتال والنضال في عالم قاس بلا رحمة على نغمات قمر غائب وسط صراع وأنين. إن اغتراب الشاعرة في ديوانها ليس تسجيلًا لتجربة ذاتية فحسب؛ ولكنه رصد لكل تجارب رأتها ولمستها فيمن حولها وما حولها، ويبدو ذلك في قصيدتها: كانا صديقين؛ التي عبرت فيها عن تغير النفوس وتحول الود وانعدام الثقة وخذلان الأحباب، وهي قصيدة مغلفة بطابع سياسي يرصد حال المجتمع المصري إبان ثورتي 2011 و٢٠١٣ حينما انقسم المجتمع إلى فئتين ومعه انهارت العلاقات والصداقات، ووصل الحال أن قتل الصديق صديقه بدم بارد.
إن إيمان الشاعرة بقوة الكلمة جعلتها تهرب إليها رافضة أحوال ذاتها ومجتمعها، وما يعج من صراعات وفتن أذهبت جماله وشوهت بهاءه وقطعت أواصر القرب والود بين أفراده، فتقول في قصيدتها: (الكلمة)
بالكلمة تبني
وبالكلمة تهدم
وبالكلمة ترفع
بالكلمة تحيي
وبالكلمة تقتل
وإذا كانت الشاعرة تملكت زمام كلماتها، فهي وسط كل هذا تجد الكلمات تفر من المعاني، ولا تستطيع وحدها أن تعبر عن مضامين الحقد والصدمة والاغتراب، فهي حائرة تائهة ترجو أن تصل لبر الأمان وسط أعاصير وأمواج متلاطمة من حولها، فتقول في قصيدتها: (في حيرتي)
تفر كلماتي من معانيها
وتجمدت دموعي في مأقيها
وتهرب مني سني عمري
تاركة ذكرياتي
مع ما ضاع من أمسياتي
وهي في خضم شعورها بالفقد والضياع والاغتراب ما زالت تسأل: أين الكلمات؟ ومتى ضاعت؟ وكيف تاهت؟ وسط كل هذا الخراب والدمار والانقسام، فتقول في قصيدة عنونتها: (أين الكلمات؟)
ما زلت أبحث عن كلمات
هل ضاعت مني الكلمات؟
هل تاهت بين الأنات؟
أبحث عن صوتي وسط الآهات
والقلب يحيا بجنبي
بين أنين النبضات
يا له من شعور لاذع قاس على نفس أنهكتها الصراعات وأفقدتها الكلمات التي كانت درعها وسهمها لمواجهة تلك الأنات.
لم يكن هذا الديوان رصدًا لتجربة ذاتية شعورية فحسب؛ ولكنه رصد لمجموعة تجارب متداخلة بين الحب والأسرة والمجتمع والدول والصراعات، فبعض قصائده تحمل طابعًا سياسيًا يعكس حال المجتمع في انقساماته بين ثورتي 2011 و 2013، وهو رصد وكشف للثام عن نفوس تغيرت وعقول تبدلت وقيم زالت وسط هذا الصراع الذي لم يقف عند حدود السلطة، ولكنه امتد ليشمل المجتمع ويضرب أعماقه وجذوره الراسخة في انقسام لم يشهده الوطن على امتداد تاريخه.
ولم تنس الشاعرة أن تقدم لمسة أمل في ختام ديوانها، فعبرت عن افتقادها للرفيقة الحنون التي كانت تفهمها، ولعلها وجدت في التواصل معها ضالتها في البعد والنجاة والفكاك من الاغتراب المادي والمجتمعي والقيمي الذي تصارع فيه وسط أمواجه لتتفادى ضرباته وسيوفه وسهامه، فتقول في قصيدتها: (افتقدك)
آهٍ كم أفتقدك!
كم أفتقد حديثك
والجلوس معك
وشرب قهوتك!
أفتقد زمانك الذي مضى
ولم يبق منه سوى الذكرى
صور متفرقات تمر هنا
جمعتنا في منزلك
لحظات دفء
وحوارات ومنى
وكل ذلك مضى
كان عهدا جميلًا فانقضى
إنه شعور وحنين بافتقاد الرفيق والصديق والمأوى وسط كل هذا الاغتراب، ولكنها بتذكرها رفيقتها وجدت خيطًا من النجاة تبثه آلامها وإحساسها ومشاعرها، فوجدت في مراسلة تلك الصديقة السلوى والنجاة وربما شيئًا من الاستقرار النفسي والشعوري، فأرسلت لها باقات من رسائلها لتبثها ما تشعر ولتجد عندها الدعم والسلوان، فتقول في رسالتها:
إليك صديقتي بعض من فكر
تمر بعقلي هنيهة وتستقر
فمن يراني يقول: مالها وللفكر!
يشرد عقلها فتهيم روحها
وترفرف في الفضاء
كلحن طير
إن هذا الديوان يعبر بقوة عن غربة الشاعر وإحساسه بالفقد والافتقاد والحزن والاغتراب في عالمه الصغير والكبير، وهو إحساس يتضح بقوة في خطابنا الشعري المعاصر بما يحمله من أحاسيس التناقض بين الأمس واليوم، معبرًا بقوة عن اغتراب الشاعر بما يحمله من فيض الشعور في عالم بلا أمان أو حنان او استقرار.
أستاذ العلوم اللغوية المساعد
كلية التربية بجامعة عين شمس












