كلنا، ندّعي الرجولة. نرفعها شعارا فوق رؤوسنا كما تُرفع الرايات في الحروب الخاسرة، وننطقها بأفواه امتلأت بالكذب. لكن الرجولة، كما تعلّمتها باكرا، ليست اسما يُمنح، ولا صفة تُورّث، ولا صراخا في المقاهي ولا عضلات مشدودة في المرايا. الرجولة أخلاق تمشي على قدمين، تصرّفات تُختبر حين تنطفئ الأضواء، وأفعال تُقاس عند الغدر، عند الخيانة، عند لحظة الاختيار بين أن تكون إنسانا … أو لا تكون.
رأيتُ كثيرين يتباهون أمام الناس، ينفخون صدورهم، يصرخون بأنهم “رجال منذ الطفولة”، وكأن الرجولة سنٌّ بيولوجي، أو شهادة ميلاد. لم يفهموا – أو تظاهروا بعدم الفهم – أن الطفولة نفسها نقيض الرجولة، وأن من لم يعش طفلا، لا يعرف معنى أن يصير رجلا. شعارهم كان هشّا، متناقضا، كبيت بُني على الوهم، ينهار عند أول ريح صدق.
أما أنا … فقد وُلدتُ في مكان لم يسمح لي بأن أكون طفلا. جئتُ إلى الحياة، لا لأبكي، بل لأتعلّم الصمت مبكرا. لم يكن الجوع عابرا في بيتنا، كان مقيما، يعرف أسماءنا، ويجلس معنا إلى المائدة الخالية. الخبز الحافي والشاي الساخن كانا حلمنا اليومي، والحلم نفسه كان بالأبيض والأسود، بلا أفق، بلا لون. الملابس؟ ما جاد به المحسنون، أو ما رقّعته أيدي التعب. الدفء الأبوي؟ كلمة سمعتها أكثر مما عشتها. أبي كان حيًّا، قريبا، يفصل بيني وبينه عرض طريق، لكن المسافة الحقيقية كانت بحجم خيانة كاملة. كان له عالمه، نساؤه، ضحكاته … وتركنا نحن في عالم بلا أمل، بلا كتف، بلا صوت.
هناك، في تلك الطفولة المشوّهة، فهمتُ أن القدر لا يُتعب الرجل عبثًا؛ بل يُثقله ليعلّمه كيف يقف وحده دون أن ينكسر. كنت صغيرا، لكن الحمل كان أكبر من عمري. وكنت أفهم، دون أن أملك الكلمات، أن الرجل لا يُقاس بما امتلك، بل بما تحمّل بصمت حين خذلته الحياة.
كبرتُ … أو لعلّي شُيّبتُ قبل الأوان. لم أعرف أين تنتهي المراهقة وأين يبدأ الشباب. عشتُهما معا، بلا ترف التدرّج. الحرمان علّمني كيف أدّخر مشاعري، والفقر علّمني كيف أحتشم داخل ملابسي البالية. لم أكن أملك ترف الانهيار، لأن المعاناة لم تكن عقوبة، بل تدريبا قاسيا على تحمّل المسؤولية دون شكوى.
الرياضة كانت ملجئي. جسدي صار سلاحي الوحيد في حيّ سكني تملؤه المخدرات، الخمر، أقراص الهلوسة، السرقة، والنهب. عالمٌ بلا رحمة، حيث السقوط أسهل من الوقوف، وحيث الانحراف ينتظر عند أول زاوية. كم مرة كنت قريبا من الجنون، وكم مرة كان الحاجز بيني وبين الإجرام لا يتعدّى قاب قوسين أو أدنى. لكن شيئا خفيّا كان يسندني. قوة لا تُرى، كانت تقول لي: “اصمد”.
كنت أشعر أن كل وجع مررتُ به بصبر، يترك في روحي حكمة لا تُعلَّم في الكتب، وأن القدر يُرهق الرجال لأنهم خُلقوا ليحملوا، لا ليهربوا. وحين كنت أصمت أمام ألمي، كان القدر يتكلم في داخلي معنى الرجولة. لم أولد قويّا. القدر هو من صاغني على نار الخسارة. كل انكسار أخفيته عن العالم، كان اتفاقا صامتا بيني وبينه على النضج.
ومع السنوات، فهمتُ أن القدر لا يمنح الرجال الراحة أولا، بل يمنحهم القدرة على الاستمرار. وأن من عرف القهر مبكرا، تعلّم أن الرحمة قوة، لا ضعف. وأن الخسارات المتتالية ليست لتدمير الكرامة، بل لتحريرها من وهم التعلّق بما نفقد.
ثم جاء الطعن الحقيقي … لم يكن من غريب، بل من أشباه رجال حسبتهم رجالا. ائتمنتهم على حياتي، على كياني، على وجعي، فإذا بهم عناوين للغدر، وأبطال للشماتة، فرسان في الغيبة والنميمة. نسوا – أو تجاهلوا – أن ما عشته كان ابتلاء لا مسرحية، وأن بقائي واقفا لم يكن بفضلهم، بل بفضل الله. وحدهم بعض أهل الله وخاصته، رجال صدقوا، كانوا سندا في الطريق، أوفياء للحق، مخلصين لقيم الرجولة.
اليوم، وأنا في التاسعة والخمسين من عمري، أحمل تاريخا من الابتلاءات، لكنني لم أنكسر. ما لم يكسره القدر فيّ، حوّلني إلى صبر يمشي على قدمين. كبرتُ قبل أواني، نعم، لكنني عرفت جوهر الحياة. تعلمتُ أن القدر لا يشرح دروسه، بل يتركنا نكتشف المعنى وسط العتمة، وأن البلاء حين يشتد، فهو تهيئة لحمل غيرنا.
بدأتُ أستعيد صحتي، أجمع شظايا نفسي، أضمّد جراحا صنعها الظلم. وأقول لأولئك الذين انتظروا دموعي: هيهات. فالرجال لا يبكون إلا مرتين … يوم يدخلون الحياة، ويوم يغادرونها. أما ما بينهما؟ فهو صمتٌ ثقيل، وصبرٌ طويل، ورجلٌ تعلّم أن يكون سندا، لأنه واجه الحياة بلا سند.










