قضية إبستين ليست مجرّد فضيحة أخلاقية عابرة، بل نافذة كاشفة على قاعٍ مظلم في النفس البشرية؛ ذلك القاع الذي لا يظهر إلا حين تجتمع ثلاثة عناصر: السلطة، والقانون، والمال… ثم تُغلق الأبواب.
قبل جزيرة إبستين بقرون، كانت هناك “جزيرة ساد” التي كتب عنها الأرستقراطي الفرنسي الماركيز دي ساد في روايته الشهيرة «أيام سدوم المائة والعشرون». أبطال الرواية لم يكونوا هامشيين، بل يمثلون قمة الهرم الاجتماعي: سلطة، دين، قضاء، ومال. وما إن انقطعت عنهم الرقابة، حتى سقطت كل الأقنعة، وتحولت “النخبة” إلى وحوش تمارس الانتهاك لا بدافع الشهوة، بل بدافع القدرة.
الرسالة كانت واضحة ومخيفة: الإنسان لا يصبح شريرًا لأنه فقير أو محروم، بل لأنه يشعر أنه فوق المحاسبة.
علم النفس الحديث لم يناقض دي ساد — الذي اشتُق من اسمه مصطلح السادية — بل أكّد طرحه. حين تُمنح سلطة مطلقة داخل بيئة مغلقة، تنطفئ آليات التعاطف تدريجيًا، ويبدأ البحث عن “نشوة أعلى”. هنا لا تعود الملذّات العادية كافية، ويظهر ما يسميه علماء الأعصاب تسامح الدوبامين: ذلك الاعتياد القاتل الذي يدفع صاحبه إلى كسر المحرّمات بحثًا عن إحساس مفقود.
ولهذا لا يكون العنف — خاصة ضد المستضعفين — انحرافًا بقدر ما هو طقس سيادة؛ إعلان صامت بأن القوانين لا تسري عليه.
التاريخ يقدّم صورًا مشابهة. نبلاء الرومان في عصور الانحطاط كانوا يتقيأون عمدًا ليواصلوا الأكل، لا جوعًا، بل قهرًا لحدود الجسد. الفكرة واحدة: الرغبة بلا حدود تتحول إلى فراغ لا يُملأ. وحين يُشيَّأ الإنسان، يصبح الآخر “شيئًا” يُستهلك، لا روحًا تُصان.
الطغيان لا يبدأ بالشر، بل بوهم الاستغناء؛ لحظة يظن فيها الإنسان أنه لا يحتاج إلى قانون، ولا إلى الناس، ولا إلى الله. عندها تُخلع عباءة الإنسانية، ويُرتدى رداء الكِبْر… فيحترق صاحبه ويحرق من حوله.
الحدود — دينية كانت أو أخلاقية أو قانونية — ليست قيودًا على الحرية، بل سياج أمان يحمي الإنسان من نفسه. فحين تُرفع الحدود، لا نرتقي… بل نهوي.
تلك هي جغرافيا النفس البشرية حين تجتمع السلطة والقانون والمال، وتغيب المحاسبة.










