شرطي سابق، برتبة مقدم شرطة رئيس:
في أواخر سنة 1990، لم يكن دخولي المعهد الملكي للشرطة بمدينة القنيطرة مجرّد عبور إداري نحو وظيفة، بل كان انتقالا وجوديا من الهامش إلى قلب الدولة، من الفرد إلى المؤسسة، من التوقعات الغامضة إلى اختبار المعنى. كنا ستمائة حارس أمن متدرب، أعدادا متشابهة في الزي والحركة، مختلفة في الخلفيات والأحلام، تجمعنا إرادة غير مكتملة الفهم: أن نصير جزءا من نظام يُفترض فيه أن يحمي، لا أن يبطش، وأن يُنظم، لا أن يُقصي.
التدريب الشبه العسكري، في ظاهره، كان تمرينا على الطاعة والانضباط، لكن في جوهره كان غربلة صامتة للأرواح: من يفهم السلطة كتكليف، ومن يختزلها في صوت مرتفع وأوامر جافة. وسط هذا المشهد، برز رجل لم يحتج إلى رفع صوته ليُسمع، ولم يكن في حاجة إلى استعراض القوة ليُهاب. اسمه “محمد الخضاري”، يومها برتبة مقدم شرطة، غير أن حضوره كان أوسع من الرتبة، وأثقل من الشارة.
لم يكن “محمد الخضاري” مدربا بالمعنى التقني للكلمة فقط، بل كان حاملا لوعي نادر داخل مؤسسة غالبا ما تُساء قراءتها. في عينيه، اللتين لا تهربان ولا تتعالَيان، كان القانون يبدو أقل قسوة، وأكثر إنسانية. كان يدرك، دون أن يصرّح، أن النص القانوني إذا انفصل عن التربية تحوّل إلى أداة جافة، وأن النظام الذي لا يراعي الكرامة يفقد منطقه الداخلي مهما بدا صارما.
كنا نقرأ في نظرته درسا قبل أن نسمع توجيها. لم يكن يُرهب، بل يُقنع. لم يكن يختزل الخطأ في الفعل، بل يراه لحظة عابرة في حياة إنسان أطول وأعقد. كان يعرف متى يصرّ، ومتى يعفو، ومتى يعلّم، وكأن التجربة علّمته أن العدالة إذا خلت من الرحمة صارت قسوة مقنّعة، وأن الرحمة إذا انفصلت عن العدالة تحولت إلى ضعف مُربك.
كان يخصص من وقته، عن وعي لا عن تفضل، لحظات للنصح والتأطير، لا باعتبارنا أدوات أمنية قادمة، بل باعتبارنا بشرا سيتعاملون مع بشر. كان يكرر، دون تكرار لفظي، أن الشرطي لا يحرس الشارع فقط، بل يحرس الضمير العام، وأن هيبته الحقيقية لا تنبع من سلاحه، بل من عدله، ومن قدرته على جعل المواطن يشعر أنه مفهوم لا مجرد مُراقَب.
مرت سنوات التدريب، وتفرّق الجمع، ودخل كل واحد منا معركته اليومية مع الواقع. لكن بعض الأسماء لا تسقط من الذاكرة، لأنها لم تكن عابرة في التكوين، بل مؤسسة في الوجدان. وبعد ستة وثلاثين عاما تقريبا، وجدتني أبحث عن ذلك الاسم، لا بدافع الحنين فقط، بل بدافع الوفاء. وحين عثرت على رقم هاتفه، لم يكن الاتصال مجرد اطمئنان على الصحة، بل استعادة لخيط تربوي لم ينقطع. كنت أستشيره لا كشرطي سابق، بل كأب مهني، كضمير راكم التجربة ولم يتخلّ عن الحكمة.
في كل مكالمة، كنت أزداد اقتناعا بأن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالعقاب وحده، بل بالثقة التي تُشيَّد حجرًا حجرًا، وأن الشرطي الذي يربي لا يُدين قبل أن يُصلح، ولا يُعاقب قبل أن يُهدي. عندها فقط فهمت، متأخرا وربما في الوقت المناسب، أن القانون حين يُقدَّم كدرس أخلاقي لا كتهديد، يصبح أكثر فاعلية، وأكثر عدلا.
هكذا يتبيّن أن أعظم ما يمكن أن يخلّفه رجل داخل مؤسسة، ليس عدد الأوامر التي أصدرها، بل عدد القيم التي زرعها. وما أجمل أن يظل الإنسان وفيّا لمن علّموه كيف يكون قويا دون قسوة، وحازما دون تجبّر، وكيف يجعل من السلطة تربية، ومن القانون معنى، ومن الأمن فعلَ كرامة.










