يُقلقني — بل يزعجني بعمق — ذلك الميل المتكرر لدى بعض الإعلاميين والصحفيين وصنّاع المحتوى، وحتى أصحاب المنابر الفكرية في الفضاء الإلكتروني، إلى التعامل مع جريمة القرن بمنطق المقارنات السطحية.
مقارنات تُقحم تراثنا، أو ما يُسمّى فقه القرون الوسطى، في مواجهة ما كُشف عنه من جرائم ارتُكبت على تلك الجزيرة.
هذا الأسلوب لا يخطئ التحليل فقط، بل يسيء إلى الحقيقة نفسها.
نعم، لدينا في العالم العربي خطاب شائع يختزل القضايا الكبرى في ثنائيات أخلاقية مبتذلة:
“قلة أدب” / “انحلال” / “فساد أخلاقي”, ويحوّل كل شيء إلى وعظ أخلاقي.
لكن ما كُشف عنه مؤخرًا ليس انحرافًا أخلاقيًا،
وليس شهوة منفلتة،
وليس فضيحة سلوكية.
ما كُشف عنه هو جريمة ممنهجة ضد الإنسانية.
جريمة ذات طابع طقسي وأيديولوجي، قائمة على تصور مَرَضي للسلطة والسيطرة والمال، وعلى اعتقاد خرافي بأن الألم والدم والامتهان أدوات لإدامة الحكم والبقاء في القمة.
حين نختزل هذه الجرائم في توصيفات مثل “قلة أدب” أو “انحلال أخلاقي”، فإننا نفرغها من معناها الحقيقي.
وحين نُسقط جريمة بهذا الحجم إلى مستوى المقارنات مع ممارسات تاريخية أو فقهية قديمة، فإننا نرتكب خطأين جسيمين في آن واحد: نُهين الضحايا،
ونُضلل الوعي العام.
الجريمة هنا ليست شهوة.
وليست بيدوفيليا بالمعنى الطبي أو السلوكي المعروف.
وليست فلتة فرد، ولا انعكاس ثقافة مجتمع بعينه.
إنها منظومة.
منظومة تتعامل مع الإنسان كمادة خام،
ومع الجسد كساحة طقس،
ومع التعذيب كأداة حكم.
اغتصاب الأطفال ليس إشباعًا، بل استعراض قوة.
والتعذيب ليس انحرافًا، بل رسالة سياسية.
والجريمة ليست عيبًا أخلاقيًا، بل وسيلة سيطرة.
لهذا، فإن مقارنتها بتاريخ الجواري، أو حريم السلاطين، أو انحرافات دينية قديمة، هو استخفاف فجّ بحجم الكارثة.
وضع هذه الجريمة في خانة “قلة الأدب” يجعلها قابلة للتبرير، وقابلة للسخرية، وقابلة للنسيان.
وقلة الأدب — مهما كانت مقززة — يمكن احتواؤها.
أما الجريمة الممنهجة ضد الإنسانية، فشيء آخر تمامًا.
نحن هنا أمام جرائم تهز الضمير الإنساني، لا الذائقة الأخلاقية فقط.
جرائم لا تُرتكب لأن فاعليها بلا أخلاق، بل لأنهم يرون أنفسهم فوق المحاسبة، ويعتبرون الجريمة وقود سلطتهم لا خطأهم.
الأخطر من الجريمة ذاتها هو تطبيعها لغويًا،
وتفريغها من رعبها،
وإعادة تدويرها في مقارنات مريحة للعقل الكسول.
لا…
هذا ليس وقت المهاترات،
ولا وقت السباب المتبادل،
ولا وقت اختزال الكارثة في معركة أيديولوجية رخيصة.
هذا وقت إعادة الحسابات:
لماذا نتبع؟
ولماذا نقدّس؟
ولماذا نرفع إلى مقام القدوة عالمًا لا أخلاقيًا، فقط لأنه قوي، أو متقدم، أو يملك السردية السائدة؟
القضية لم تعد صراع “شرق وغرب”،
ولا مواجهة قيم متخيّلة،
بل اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا:
هل نملك الشجاعة لفكّ الارتباط بين التقدم والقيمة؟
بين القوة والاستحقاق؟
بين الهيمنة والقدوة؟
ما يحدث اليوم يكشف أن السلطة العالمية لا تكتفي بالاستهانة بالجريمة،
بل تتعامل مع الجريمة ضد الإنسانية كشرط لبقائها، وكوقودٍ لدوامها.
ومن لا يعيد حساباته الآن،
لن يكتشف لاحقًا أن الجريمة لم تكن كانت استثناء انما كانت المنهج.










