في إسرائيل يعرضون نقاط في الوثيقة كانجازات. الأولى، حسب المسودة، هي أن مجلس الامن لن يكون مصدر الصلاحية لقوة الاستقرار الدولية، بل يعطيها دعمه. وبالنسبة لإسرائيل – لن تكون قوة تشبه قوة اليونفيل. الإنجاز الثاني لإسرائيل كما يبدو هو عدم الرغبة الواضحة للدول العربية “من اجل القيام بالعمل القذر” بدلا من الجيش الإسرائيلي ومحاربة حماس فان الوثيقة تنص على ان قوة الاستقرار ستكون هي المسؤولة عن “ضمان نزع السلاح من القطاع، “تدمير البنى التحتية الإرهابية والبنى التحتية العسكرية والهجومية” و”سحب السلاح بشكل دائم من أيدي الجماعات المسلحة غير الحكومية”.
لكن هذا الإنجاز من غير المفروض أن يبقى حبر على ورق. فاستخدام عبارة “اخراج السلاح من قيد الاستخدام بدلا من نزع السلاح” هو أمر مضلل. هل القوة ستضطر الى سحب السلاح من عناصر حماس، أو أنها ستكتفي بمراقبتهم اثناء تسليمه أو ايداعه؟ في يد من ستودع الأسلحة؟ الأسئلة كثيرة، أهمها هو ان أي تفويض لن يعطي القوة العربية والإسلامية دافع اكبر للدخول في صراع ملسح مع حماس.
إضافة الى ذلك يذكر في المسودة ان قوة الاستقرار الدولية يجب أن “تساعد في تامين المناطق الحدودية” لقطاع غزة – أي، في الواقع، حماية حدوده من جيرانه، وفي المقدمة إسرائيل. أيضا المعنى العملي لهذا البيان غير واضح. منذ بدء وقف اطلاق النار يسافر ممثلون إسرائيليون الى القاهرة كل بضعة أيام للتفاوض حول استمرار تنفيذ خطة ترامب. ومن بين المواضيع المطروحة على الطاولة، موضوع عمق الانسحاب الإسرائيلي بعد نشر قوة الاستقرار في القطاع لتحل محل الجيش الإسرائيلي في بعض المناطق التي يسيطر عليها. حسب معرفتنا، لم تسفر النقاشات عن نتائج واضحة حتى الآن. ولكن لن يكون امام إسرائيل خيار عدا عن معالجة هذه القضية.
الامر نفسه ينطبق على مستقبل معبر رفح، الذي نوقش في القاهرة. وقد استعدت قوات السلطة الفلسطينية وبعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (إيوبام) لتولي إدارة الطرف الغزي من المعبر الحدودي منذ الأيام الأولى لوقف اطلاق النار. واعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قبل أسبوعين بان هذا لن يحدث “حتى اشعار آخر” وأن فتح المعبر الحدودي الذي يربط غزة بالعالم، بدون المرور بإسرائيل، سيتم النظر فيه وفقا للطريقة التي تطبق فيها حماس دورها في إعادة الرهائن القتلى. وقد تمت إعادة معظم الرهائن القتلى الى إسرائيل منذ ذلك الحين. ولكن نتنياهو يفضل الاستمرار في تأجيل فتح المعبر. ويدفع ثمن التاخير المرضى والجرحى الفلسطينيون الذين كان يمكن اجلاءهم من القطاع بوتيرة اسرع بكثير. المستفيد من هذا الانتظار الطويل والمتزايد هي بالطبع حماس.
في الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب كالعادة العثور على طرق قصيرة والتوصل الى حل سريع وبسيط يرضي الجميع، فان المناخ حول قوة الاستقرار فقط آخذ في التعكر. اللقاء الذي عقده اول امس في إسطنبول وزراء خارجية دول عربية وإسلامية لم ينتج عنه أي تصريح مشترك، بل فقط عدة أيضا مصر، التي من شانها ان تلعب دور رئيسي في مستقبل القطاع – حتى طبقا للوثيقة الامريكية – لم تشرف اللقاء بمشاركتها.
يبدو ان هناك سبب وجيه لذلك: مثال جنوب لبنان، هناك ملقاة على الجيش المحلي مهمة نزع سلاح تنظيم قوي، يتعافى بسرعة وشعبيته تزداد كلما زادت إسرائيل هجماتها، ليس مثال مشجع. في غزة يتوقع ان يكون طريق مسدود مشابه. الامر الوحيد الذي يمكن ان يمنع ذلك هو خطة لا تقفز عن أي تفصيلة صغيرة متفق عليها من قبل جميع الأطراف وتمر من بين النقاط والحاجة الى قدر غير قليل من المرونة، من بين الجهات المطلوب منها هذه المرونة إسرائيل. خطة كهذه ليست في هذه الاثناء في متناول اليد.
أن الدول التي أبدت رغبتها في المشاركة أعربت عن ارتياحها لما ورد في المشروع، أن القوة الدولية ستحلّ محل الجيش الإسرائيلي فور دخولها القطاع، مما يعني انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجيا مع تفعيل القرار. وتعد هذه القوة الدولية أحد البنود في خطة ترامب التي شكلت الإطار لوقف إطلاق النار في غزة منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد عامين من الإبادة الإسرائيلية.
ولا تزال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة جارية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 رغم اتفاق وقف إطلاق النار، حيث ارتكب جيش الاحتلال نحو 200 انتهاك للاتفاق وتسبب منذ 10 من الشهر الماضي باستشهاد وجرح عشرات الفلسطينيين إلى جانب نسف وتدمير العديد من المباني السكنية.
وقد خلّف العدوان على غزة 68 ألفا و865 شهيدا فلسطينيا، و170 ألفا و670 جريحا، معظمهم أطفال ونساء، مع تكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
تبدو الإدارة الأميركية مشغولة هذه الأيام، في سياق جهودها الرامية إلى وضع “خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط” موضع التنفيذ، بإعداد مشروع قرار تنوي عرضه قريباً على مجلس الأمن.
يهدف المشروع إلى إضفاء الشرعية الدولية على قوة متعددة الجنسيات، ورد ذكرها في خطة ترامب تحت مسمى “قوة الاستقرار الدولية، ويفترض أن يعهد إليها بمهمة حفظ السلام في غزة خلال المرحلة الانتقالية.
وقد نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي تقريراً أشارت فيه إلى أن المسودة الأولى لهذا المشروع اكتملت وتم توزيعها بالفعل على بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن.
تتضمن هذه المسودة، وفقاً للتقرير المنشور في صحيفة معاريف، نصاً يشير إلى أن القوة المقترح تشكيلها ستعمل بشكل مستقل داخل قطاع غزة، وبتفويض من مجلس الأمن، وأن مدة عملها لن تقل عن عامين، قابلة للتمديد، وستبدأ بمباشرة مهامها مطلع عام 2026، وأن دورها لن يقتصر على الفصل بين المتحاربين أو مراقبة وقف إطلاق النار، وفقاً للنمط التقليدي للمهام الموكلة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وإنما سيمتد ليشمل صلاحيات تنفيذية تسمح لها باستخدام ما تراه من وسائل لتمكينها من الاضطلاع بمختلف المهام التي ستوكل إليها، ما يعني السماح لها باستخدام القوة المسلحة وخوض معارك قتالية عند الضرورة، وأنها ستكون ملزمة بالتعاون الوثيق مع كل من مصر و”إسرائيل” والجهات الفلسطينية التي تقبل بالترتيبات المنصوص عليها في هذا القرار.
وفيما يتعلق بالمهام الموكلة إليها، يقترح مشروع القرار تحديدها على النحو التالي:
1- تأمين الحدود مع كل من مصر و “إسرائيل”.
2- حماية المدنيين والمنشآت الإنسانية ومسارات المساعدات الدولية.
3- تفكيك البنى التحتية والأسلحة التابعة للتنظيمات الإرهابية في القطاع.
4- إنشاء وتدريب جهاز شرطة فلسطيني جديد يعمل بالتنسيق الوثيق معها.
5- المساعدة في إقامة إطار مدني لإدارة غزة بعد الحرب.
وقد أشار التقرير الذي نشرته صحيفة معاريف إلى أن التشكيل النهائي لهذه القوة لم يُحدَّد بعد، وأن الولايات المتحدة ستتولى قيادة الإطار التنسيقي، أما الانتشار الميداني فستقوم به قوات من الدول العربية والغربية. أما إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة ككل فستوكَل إلى “مجلس السلام “Board of Peace” الذي سيرأسه ترامب، وبتفويض أولي لفترة تبدأ في أول عام 2026 وتنتهي في ختام عام 2027.
لفهم الأهداف التي تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيقها، وإذا ما كان من شأن هذه المبادرة ضمان وضع “خطة ترامب للسلام” موضع التطبيق العملي، وبما قد يؤدي فعلاً إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، علينا أن نجري مقارنة دقيقة بين ما ورد في خطة ترامب وما في مشروع القرار الذي سيُعرض على مجلس الأمن حول عدد من المسائل المهمة، خصوصاً ما يتعلق منها بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وإدارة قطاع غزة، وتشكيل القوة التي ستوكَل إليها مهمة حفظ السلام والأمن، وعملية الإعمار..الخ.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










