تشهد منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي تحولاً جذرياً، وتفككاً هيكلياً في البنى الأمنية التي سادت لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. لقد انهار التوازن الهش الذي حكم المنطقة، ليحل محله نظام أمني جديد، أكثر تقلباً وتنافساً، مدفوعاً بتلاقي المصالح الاستراتيجية لمحور إماراتي-إسرائيلي خطير. هذا المحور، الذي تجاوز حدود التطبيع الدبلوماسي إلى شراكة أمنية عميقة، أطلق سلسلة من التحركات المتسارعة التي بدأت في إعادة تعريف موازين القوى والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
لم يكن إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترافها الرسمي بـ “أرض الصومال” كدولة ذات سيادة مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل كان تتويجاً لشهور من الجهود الاستخباراتية والدبلوماسية المكثفة،
الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة يتجاوز مجرد كسب حليف جديد؛ إنه يهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين موطئ قدم عسكري واستخباراتي متقدم لإسرائيل في واحدة من أكثر النقاط الجغرافية حساسية في العالم، يقول تحالف أبوظبي/تل أبيب إن هدفها مراقبة وردع التهديدات الحوثية والإيرانية بشكل مباشر وفعال؛ لكن هذا التبرير هو غطاء ليفرض طوق النار ليس فقط على ضفتي باب المندب بل على الأمن القومي للمملكة العربية السعودية ومصر ومعظم الدول المطلة على البحر الأحمر ووضعها تحت هيمنة التحالف الجديد.
إن تحويل “أرض الصومال” من كيان منسي على خريطة القرن الأفريقي إلى حجر زاوية في استراتيجية الأمن البحري الإسرائيلي الجديدة، يعيد تشكيل الديناميكيات الأمنية في جنوب البحر الأحمر بشكل جذري، وتشير التحليلات المستقاة من الصحافة الإسرائيلية وتقارير مراكز الأبحاث إلى أن “إعلان إسرائيل” يتضمن بنوداً غير معلنة تتعلق بالتموضع العسكري.
ففي مقابل الاعتراف والوعود بفتح أبواب واشنطن أمام هرجيسا، حصلت إسرائيل على امتيازات استراتيجية في ميناء بربرة ومطارها، مما يمنح البحرية الإسرائيلية وسلاح الجو موطئ قدم متقدم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يرمي إلى تحويل أرض الصومال إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تكسر العزلة الجغرافية لإسرائيل في البحر الأحمر، وتمنحها أدوات مباشرة لضرب خصومها والضغط على تركيا والسعودية ومصر ودول المنطقة لتمرير سياساتها، بتنسيق وثيق مع حليفتها الإقليمية
وهذا التواجد يتيح لإسرائيل:
مراقبة العمق الاستراتيجي: القدرة على رصد التحركات البحرية في خليج عدن والمحيط الهندي، خاصة تلك المرتبطة بإيران وباكستان، وتركيا، وهي أيضاً حاجة أمريكية لمراقبة الملاحة في المحيط الهندي للصين، وموطئ قدم قرب القواعد العسكرية في مضيق باب المندب خاصة التركية.
قاعدة عسكرية: إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال (ربما في بربرة أو زيلع) لتكون “حاملة طائرات غير قابلة للغرق” في جنوب خليج عدن
عمليات ضد الحوثيين: تعتبر إسرائيل أن القرب الجغرافي لأرض الصومال من السواحل اليمنية (حوالي 300-500 كم) يمنحها ميزة عملياتية هائلة لم تكن تتوفر لها من قواعدها البعيدة في إيلات، هذا الموقع يسمح بنشر رادارات متقدمة ومنظومات إنذار مبكر لكشف الصواريخ والمسيرات الحوثية في مرحلة الانطلاق، مما يسهل اعتراضها بفعالية أكبر، كما توفر القواعد في بربرة منصات انطلاق لفرق الكوماندوز البحري والطائرات المسيرة لتنفيذ ضربات جراحية ضد البنية التحتية العسكرية في اليمن دون الحاجة لرحلات طيران طويلة ومعقدة.
إن هذا التواجد العسكري يغير المعادلة الاستراتيجية في جنوب البحر الأحمر، ويمنح إسرائيل قدرة على العمل المستقل بعيداً عن ضغوط التحالفات الدولية المترددة.
التحكم في الممرات: تعزيز القدرة على تهديد خطوط الملاحة التجارية المتجهة إلى قناة السويس؛ والتأثير على التجارة الخليجية خاصة النفطية.
اتفاقيات التطبيع وتقسيم الدول: تم وضع هذا الاعتراف في إطار روح اتفاقيات أبراهام، مع سعي إسرائيل لضم أرض الصومال رسمياً إلى هذه الاتفاقيات، مما يمنح إسرائيل شرعية أوسع في منطقة القرن الإفريقي[3]. وترى دول المنطقة أن الهدف الإسرائيلي هو إضعاف الدول العربية والمركزية عبر تشجيع الحركات الانفصالية، مما يهدد بـ “بلقنة” المنطقة وتفتيتها إلى دويلات هشة
يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي كنسخة محدثة من “عقيدة المحيط” (Periphery Doctrine) التي صاغها ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت تهدف إلى التحالف مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي (تركيا، إيران الشاه، إثيوبيا). في نسخة 2025، تتجه إسرائيل نحو “الكيانات ما دون الدولة” (Sub-state actors) التي تمتلك مقومات الدولة الفاشلة أو المناطق الانفصالية التي تبحث عن شرعية دولية
ترى تل أبيب في أرض الصومال نموذجاً مثالياً لهذه الاستراتيجية: كيان مستقر نسبياً، ذو موقع جغرافي حيوي، معزول دبلوماسياً، وبحاجة ماسة إلى حليف قوي لا يخشى تجاوز الإجماع الدولي، ومن خلال منح الشرعية لهذا الكيان، تخلق إسرائيل “دولة وظيفية” تدين لها بالفضل، وتكون بمثابة قاعدة متقدمة لخدمة المصالح الإسرائيلية في منطقة معادية تاريخياً.
إقليمياً أثار الاعتراف الإسرائيلي ردود فعل إقليمية حادة، واعتبرتها مقديشو عدواناً مباشراً، ويهدف إلى “زعزعة استقرار المنطقة”، وأبدت كلاً من السعودية وبقية دول مجلس التعاون (باستثناء الإمارات) ومصر وتركيا وباكستان، وهي دول حليفة بشكل رئيسي للولايات المتحدة، معارضتهما الشديدة لهذه الخطوة، لما تمثله من تهديد للتوازن الدقيق في القرن الأفريقي.
أما الحوثيون، فقد أعلنوا بوضوح أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعتبر “هدفاً عسكرياً مشروعاً”، مما ينذر بتصعيد خطير في المنطقة ويزيد من عسكرة الممرات المائية.
على الصعيد الدولي، أحدث القرار غضباً دولياً حاداً تجلى في جلسة مجلس الأمن الطارئة في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث ظهرت إسرائيل شبه معزولة دبلوماسياً، حيث أدانت المجموعة العربية والاتحاد الأفريقي الخطوة باعتبارها انتهاكاً لسيادة الصومال وتهديداً قد يفتح “صندوق باندورا” للحركات الانفصالية في عموم القارة الأفريقية من بيافرا في نيجيريا إلى أمبازونيا في الكاميرون.
في حين وقفت الولايات المتحدة وحيدة في الدفاع الضمني عن الخطوة الإسرائيلية، أعربت دول مثل فرنسا وجيبوتي عن قلقها من تدهور الاستقرار الإقليمي ومزاحمة نفوذها التقليدي، ويُنظر إلى هذا الاعتراف كجزء من استراتيجية “إسرائيل الكبرى” التي تسعى لتجاوز الجوار العربي المباشر والوصول إلى الدائرة الثالثة في القرن الأفريقي.
وقد أعاد هذا الاعتراف بالفعل ترتيب موازين القوة في القرن الإفريقي على مستويات متداخلة، فعلى المستوى الداخلي، يفاقم القرار هشاشة الدولة الصومالية عبر تدويل ملف الانفصال، ويقوّض ما تبقى من مركزية الحكومة الفيدرالية في مقديشو، في لحظة لا تزال فيها الدولة تكافح لاستعادة الحد الأدنى من السيطرة والسيادة، وعلى المستوى الإقليمي، يعمّق الاعتراف حالة الاستقطاب ويدفع بالتنافس بين المحاور إلى مستوى أكثر حدّة، لا سيما بين إسرائيل من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى، في صراع مفتوح على النفوذ، والموانئ، ونقاط الارتكاز البحرية على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن. أما استراتيجيًا فيمنح هذا التطور إثيوبيا منفذًا بحريًا بديلًا يعزّز طموحاتها الإقليمية ويغذّي سعيها للتحرر من قيود الجغرافيا،
لكنه في الوقت ذاته يُضعف الأهمية النسبية لبعض الموانئ التقليدية في الإقليم، ويضغط على موقع جيبوتي بوصفها مركزًا شبه احتكاري للقواعد العسكرية الأجنبية، كما يُقلّص من هامش المناورة الذي تمتعت به إريتريا طويلًا بوصفها منصة ارتكاز أمنية خارج الأطر الرسمية، وبهذا يُفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ البحري على نحو قد يُربك التوازنات القائمة ويعيد رسم خريطة المصالح في القرن الإفريقي برمّته.
ويُلفت الانتباه في هذا السياق الصمت النسبي للاتحاد الإفريقي وعدد من القوى الدولية الكبرى إزاء هذا التحول، في انعكاس واضح لتراجع مركزية المبادئ القانونية التقليدية لصالح حسابات الأمن والمصالح، فهذا الصمت لا يعكس قبولًا صريحًا بقدر ما يكشف عن مرحلة انتقالية يُعاد فيها ترتيب الأولويات، حيث تُغلب الوظيفة على الشرعية حين تتقاطع الجغرافيا مع الأمن، وحيث تُدار الأزمات بالمنطق الوقائي لا بالحلول القانونية الشاملة.
في هذا المشهد المتحوّل تصبح تداعيات الاعتراف على مصر مسألة أمن قومي مباشر، فمصر ليست مجرد دولة مطلة على البحر الأحمر، بل تمثّل قلب معادلته الاستراتيجية، وقناة السويس ليست ممرًا قابلًا للاستبدال، بل ركيزة أساسية في النظام التجاري والأمني العالمي، وأي تحوّل طويل الأمد ينقل مركز الثقل الأمني من الشمال إلى الجنوب، ومن قناة السويس إلى باب المندب، هو تحوّل يعيد تعريف مكانة مصر الجيوسياسية، ويؤثر مباشرة في قدرتها على التأثير وصناعة التوازن.
الأخطر من ذلك أن تعدد نقاط الارتكاز الأمنية خارج أي إطار عربي أو إفريقي جامع يُنذر بتآكل مفهوم الأمن البحري المشترك، وتحويل البحر الأحمر إلى فسيفساء قواعد ومصالح متعارضة تُدار من الخارج أكثر مما تُدار من داخله، وإذا تُرك هذا المسار دون تصحيح، فقد تجد مصر نفسها في موقع المتفاعل مع وقائع مفروضة، بدل أن تكون صانعة لقواعد النظام الإقليمي.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










