في قرارٍ استراتيجي يعكس رؤية جديدة لإدارة الملف الإعلامي في مصر، وافق مجلس الوزراء رسمياً على مشروع قرار رئيس الجمهورية بنقل تبعية الهيئة العامة للاستعلامات إلى وزارة الدولة للإعلام. هذا التحول، الذي يأتي ، ليضعنا أمام مرحلة فاصلة؛ فإما أن تكون بداية لعصر “المايسترو الواحد” القوي، أو نفقاً جديداً من التعقيدات الإدارية.
لسنوات طويلة، استمدت الهيئة العامة للاستعلامات ثقلها النوعي وبريقها الدولي من كونها تتبع رئاسة الجمهورية مباشرة منذ عام 2012. هذا الارتباط كان يمنح “الاستعلامات” ومكاتبها وموظفيها في الداخل و الخارج صبغة سيادية، ومرونة في الحركة، وقدرة على مخاطبة المؤسسات الحكومية بالداخل والمؤسسات الدولية بلغة “الرأس” لا “الأطراف”. واليوم، ومع انتقال هذه التبعية للوزارة، يبرز تساؤل مشروع: هل ستحافظ الهيئة على هذا البريق السيادي، أم ستنطفئ جذوتها تحت وطأة الهيكل الإداري للوزارة؟ والتقليل من هيبتها فالمحافظات ،
رغم القلق، يظل الدافع وراء هذا القرار منطقياً وعادلاً؛ فقد عانى المشهد الإعلامي المصري من تشتت الصلاحيات بين جزر منعزلة، مما جعل الخطاب الرسمي أحياناً يفتقد للتناغم. اليوم، ومع وجود وزير إعلام بصلاحيات كاملة، نحن أمام فرصة لضبط الإيقاع ومنع النشاز. إن وضع الذراع الإعلامي الداخلي و الخارجي تحت مظلة الوزارة يعني أن مصر قررت أن تتحدث بلسانٍ واحد، وقوي، ومقنع، بدلاً من اجتهادات الهيئات المنفصلة.
ولكن يشوبها الحظر ومخاوف من “نخر العظام” في مقصلة البيروقراطية
لكن، وبقدر التفاؤل بوجود “قائد واحد”، يظل الخوف قائماً من أن تتحول الهيئة بمكاتبها وتاريخها إلى مجرد إدارة داخل وزارة، وهو ما قد يؤدي إلى “نخر عظام” كفاءتها في مقصلة البيروقراطية الحكومية التقليدية.
الخطر الأكبر الذي يواجه هذه الخطوة هو احتمال نشوب صراعات داخلية على النفوذ والصلاحيات بين الكوادر العريقة في الهيئة وبين الهيكل الإداري للوزارة الناشئة. إن أي صدام إداري أو تداخل في الاختصاصات قد يعطل “ماكينة” الإعلام الرسمي في وقت نحتاج فيه إلى كل ثانية للرد على التحديات الدولية.
الوزير القوي.. ضرورة لا رفاهية
إن نجاح هذا الدمج يتوقف تماماً على شخصية الوزير وصلاحياته؛ فنحن لا نحتاج لمدير يغرق في الأوراق، بل لـ “مخطط استراتيجي” يمتلك القدرة على حماية استقلالية الهيئة الفنية مع إخضاعها للرؤية السياسية العامة.
الهدف يجب أن يكون تحويل الهيئة إلى رأس حربة في مشروع إعلامي قومي:
داخلياً: توحيد المعلومة ووأد الشائعات بقرار نافذ.
خارجياً: فرض الرواية المصرية بمنطق الهجوم لا الدفاع.
كلمة أخيرة..
نقل التبعية هو “مغامرة إدارية” كبرى؛ فإما أن تمنح الوزارة “أجنحة” قوية للهيئة لتطير بها في المحافل الدولية، أو أن البيروقراطية والصراعات ستقص تلك الأجنحة. الكرة الآن في ملعب “الوزير المنسق”؛ فهل ينجح في الحفاظ على هيبة الرئاسة داخل مكاتب الوزارة، أم تضيع الهيئة في زحام المكاتبات الرسمية؟
العالم لا ينتظر، وصناعة الخبر لا تعترف بالبيروقراطية.. فهل نرى “مايسترو” حقيقياً يقود الدفة؟
“إن معركة الوعي التي تخوضها الدولة المصرية اليوم لا تحتمل أنصاف الحلول، ولا تقبل الأيدي المرتعشة في اتخاذ القرار. إن نقل تبعية الهيئة العامة للاستعلامات إلى وزارة الدولة للإعلام يجب ألا يُختزل في كونه ‘نصرًا إداريًا’ لجهة على أخرى، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على صهر العراقة السيادية في بوتقة الحداثة الإعلامية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه ‘الوزير القوي’ القادم ليس في إصدار القرارات أو توقيع المكاتبات، بل في كيفية الحفاظ على ‘روح الرئاسة’ وهيبتها الدولية داخل أروقة الوزارة، مع حماية جسد الهيئة من ‘نحر عظامها’ في مقصلة البيروقراطية التي قد تغتال سرعتها في الرد والمبادرة. نحن أمام معادلة صفرية؛ فإما أن تتحول الوزارة إلى ‘مظلة حماية’ تمنح الهيئة أجنحة فولاذية للتحليق في سماء الإعلام الدولي، وإما أن تبتلعها الصراعات الداخلية والمنافسات الإدارية الضيقة، لنفقد بذلك واحدة من أهم أسلحتنا السيادية في وقتٍ يدار فيه العالم بالمعلومة قبل الرصاص.
على القائمين على هذا التحول أن يدركوا جيداً أن ‘الاستعلامات’ ليست مجرد إدارة تُنقل، بل هي تاريخ من الدبلوماسية العامة لا يصح أن يذوب في دهاليز الروتين الحكومي. المطلوب الآن هو ‘ثورة إدارية’ تضع الكفاءة فوق الولاء، والسرعة فوق التراتبية، والرؤية الاستراتيجية فوق المصالح المكتبية.
لقد انتهى زمن التجارب، وبدأ زمن ‘فرض الإرادة الإعلامية’. فهل سنرى إعلاماً مصرياً يمتلك ‘مخالب’ قادرة على انتزاع المبادرة من الخصوم؟ أم سنكتفي بتغيير لافتات المقرات بينما تظل العقول حبيسة أدراج البيروقراطية؟ الإجابة لن تأتي من البيانات الصحفية، بل من قدرة ‘المايسترو الجديد’ على قيادة هذه الأوركسترا الضخمة لتعزف لحناً واحداً يفهمه العالم ويحترمه الصديق قبل العدو.”










