راح الرجل العابد التقي الوليّ الورع في نوبة نوم عميق ، علي شاطئ ترعة ، التحف السماء وافترش الحصي ، ونام في سكينة يُحسد عليها ، غير مُبالٍ بضجيج الحياة ، ومشاحنات الدنيا !!.
خرج ثعبان عنيف من الماء مُتجهاً صوب الوليّ ، تصادف أن كلباً يتجول علي الشاطئ ، يسير في دلال وتيه ، لمح الثعبان ، اندفع نحوه غاضباً مُكشراً عن أنيابه ، جرت معركة حامية الوطيس بين الثعبان الأحمق والكلب الشجاع ، انتهت بفرار الثعبان إلي الماء حيث جاء ، وعاد الكلب يسير علي الشاطئ يلعق جراحه ، كل هذا والوليّ يغط في سبات ، لا يدري ولايشعر بما جري ، وياهول ماجري ، فقد حرسته يد الله ، وكفته الأذي وحمته ، فأرسلت له مَن يذود عنه ، دون أن يشعر أو ينزعج ، فقد كان في حمايته سبحانه !!.
وذات مغرب ، كان يصلي إلي جواري في المسجد رجل بسيط ، غاية في البساطة ، تعرفه من سماحته ورقة طباعه ، ومن ملبسه المتواضع ، سمعته ونحن سجود يدعو الله لابنته المريضة بالشفاء ، ومن فرط بساطته المخلوطة بسذاجة بريئة ، راح يذكر عنوان بيته أثناء الدعاء ، ظناً منه – لفرط براءته – أن الملاك المُكلف بالشفاء يمكن أن يتوه ، ويذهب إلي بيت آخر ، كدت أخرج من صلاتي ، حين ضحكت ، فلم يكن باستطاعتي أن أتمالك نفسي ، وأنا أسمع دعاء الرجل الخاشع ، والذي كان يدعو بإخلاص ولهفة ، ودموعه تغرق وجهه وموضع سجوده !!.
أنا أميل إلي هؤلاء الناس ، وأنتمي لهذا الصنف من البشر ، الذين نأوا بأنفسهم عن اللغط والصخب ، فلا تشغلهم قضايا المفكرين ، ولا تقعرات المتقعرين ، ولا فزلكة المتفزلكين ، ولا معارك المتكلمين ، الذين يدفعهم الانتصار لأنفسهم ، لا لفكرة ولا رؤية ولا قضية ، فهم هواة ديماجوجية فارغة ، لكن هؤلاء البسطاء رأوا الحياة أيسر بكثير ، فاختصروها في عمل صالح ، وتطهير القلب من الدنايا ، ومعاملة الناس بالحسني ، والسعيّ في مناكب الأرض ، والكسب الحلال والاستمتاع بثمرته ، وفعل ماينفع الناس !!.
وأراني كلما تذكرت انخراطي في تلك المعارك الوهمية ، والسفسطة المختلقة ، والمشاحنات ، والتي ضيعت فيها عشرات السنين من عمري ، وخسرت بسببها عشرات الأعزاء والخلان ، أشعر بالحزن والأسي والحسرة ، وأراني لو أنني قضيت تلك السنوات في زراعة ولو متر واحد من الأرض ، متر واحد فقط ، أو الانهماك في عمل بسيط متواضع ، لكان خيراً لي ، وللناس !!.










