تعيش واشنطن منذ بداية مارس الحالي على وقع انفجار سياسي مدوٍ داخل أروقة الكابيتول؛ حيث كشفت سلسلة جلسات الاستماع العاصفة التي عقدتها لجان القوات المسلحة، والشؤون الخارجية، والاستخبارات بمجلس النواب عن فجوات عميقة وتناقضات صارخة في المعلومات الميدانية.
إن ما يحدث اليوم هو تعرية كاملة لمبررات حرب صِيغت بتسييس متعمد للحقائق، بعيداً عن الوقائع الميدانية التي كان ينبغي أن تكون حجر الزاوية في صناعة القرار القومي الأمريكي.
فجّرت تولسي جابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، أمام لجنة الاستخبارات أولى المفاجأت بتأكيدها أن البرنامج النووي الإيراني كان معطلاً فعلياً، وهو ما ينسف الرواية الرسمية حول وجود خطر وشيك. وتزايد هذا التخبط مع شهادة ماركو روبيو، الذي يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، أمام لجنة الشؤون الخارجية؛ حيث أقرّ صراحةً بأن قرار الهجوم كان استباقياً لحماية مصالح إسرائيل ومنع رد فعل إيراني على تحركاتها الوشيكة، وهو ما اعتُبر اعترافاً صريحاً بأن دماء الجنود الأمريكيين زُج بها في صراع مرير لخدمة أجندة تل أبيب لا لخدمة الأمن القومي الأمريكي.
أما الخلل الأكبر فظهر في شهادة وزير الدفاع بيت هيجسيث أمام لجنة القوات المسلحة، حيث سقط في فخ التناقض؛ فبينما كان يزعم نجاح تدمير قدرات العدو، اضطر للاعتراف أمام اللجنة بأن القوات الأمريكية تعرضت لضربات دقيقة ومفاجئة لم تكن في الحسبان، مبرراً هذا الفشل العملياتي بأن التقارير الميدانية التي كانت تصله وتصل للبيت الأبيض كانت مجتزأة. هذا الاعتراف كشف عن فجوة استخباراتية وعسكرية هائلة، حيث بدا وزير الدفاع كمن يقود حرباً بناءً على معلومات منقوصة. وفي محاولة للتنصل من المسؤولية، ادعى الرئيس ترامب في إفاداته أن القادة العسكريين لم يحيطوه علماً بالقدرات التدميرية الهائلة للسلاح والصواريخ الإيرانية التي أدت إلى تدمير القواعد الأمريكية في المنطقة، كما زعم جهله بقدرة طهران على إغلاق مضيق هرمز فعلياً. ولعل النقطة الأكثر إثارة للجدل كانت التسريبات التي كشفت قوله: “لا يمكنني رفض طلب لبيبي”، مما أكد ارتهان القرار السيادي لضغوط نتنياهو الشخصية لجر الولايات المتحدة إلى حرب بالوكالة تستنزف الخزانة بنحو ملياري دولار يومياً دون أفق للنهاية.
بناءً على هذا الاستنزاف الشامل الذي كشفته اللجان المختصة، بدأ نواب ديمقراطيون تحريك إجراءات العزل الدستورية لمحاكمة الرئيس سياسياً بتهمة تضليل الشعب والالتفاف على الدستور. وتظل هذه التطورات بمثابة كرة ثلج تكبر وتكبر مع كل اعتراف جديد يخرج من أروقة اللجان، بالرغم من لجوء الإدارة لترهيب الصحافة عبر اتهامات بالعمالة والخيانة العظمى لكل من ينشر تفاصيل الجلسات أو أخبار الحرب الحقيقية، والتهديد بسحب التراخيص بتهمة التخابر.
إن ما ينكشف اليوم هو تزييف متعمد للأسس التي بُنيت عليها حرب لم تكن يوماً في صالح الولايات المتحدة، بل ورطت الجيش والاقتصاد في استنزاف مدمر لخدمة مشروع إسرائيل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.










