أحب أن أستهل مقالي بمقولة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، حين قال: إن “الكلمات مثل الطلقات، إذا أطلقتها لن تستطيع إرجاعها”.
كم مرةٍ اتخذت لحظات الندم مجلسًا في عقولنا، تنبح بصوت الضمير، عندما تنطق أفواهنا في مواقف الغضب أو الضيق بكلماتٍ كان يجب أن تمر عبر فلتر العقل قبل أن تصل إلى الطرف الآخر، لكنها أحيانًا تسرق منا التعقل، فنندم ونتمنى لو أننا لم ننطق بكلمةٍ سببت أذًى أو جرحًا لا يلتئم.
إن للكلمة سحرًا وقوة؛ يمكن أن تُدمر بها صفاء نفس إنسان، ويمكن أن تداويه بكلمة طيبة تنير له ظلمة ووحشة وقسوة الحياة. فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، وتفرض علينا أشياء كثيرة، لطالما لو أُتيح لنا الاختيار لرفضناها، ولا يبقى لنا سوى مفتاح السعادة، ألا وهو الرضا. وقد نرضى بكلمة بسيطة، طيبة، صادقة، لا مجاملة فيها.
على مدار حياتي، علمتني الحياة أكثر مما تعلمته في كتب الفلسفة، بسبب المواقف العديدة وبيئات العمل المختلفة. فقد خضت تجارب عمل كثيرة، ليس فشلًا، بل طموحًا إلى الأفضل، وسعيًا للوصول إلى ما يتناسب مع ملكاتي ومهاراتي. فلكلٍ منا مواهبه الخاصة التي ميّزنا الله بها، لنكمل بعضنا بعضًا، لا لنتباهى.
علمتني الحياة أن الإنسان كلمة؛ إما أن تكون خبيثة، مضرة، مؤذية، أو صالحة تشفع لصاحبها في غيابه الجزئي أو الكلي. وقد أعجبتني جملة مكتوبة خلف إحدى السيارات: “نرحل ويبقى الأثر”، فإما أن يكون أثرًا طيبًا، أو عكس ذلك.
فنفوس الناس بها ما بها؛ لنا الظاهر، ولله الباطن. وكلنا بحاجة إلى دعمٍ وتشجيع لنكمل رحلة الحياة بمرها وحلوها. ومنا المحظوظ من يجد وقود التجدد في أقرب محطة، كصديقٍ مخلص أو أسرةٍ صالحة، فهي البذرة الأولى لتشكيل النفوس.
والكلمات الطيبة، للأسف، غير قابلة للتصنيف كما هو الحال في وقود السيارات (80، 92، 95)، بل هي نقاءٌ خالص بنسبة 100%. فنفوسنا، مثلها مثل السيارات، تحتاج هذا الوقود لنكمل طريق الحياة الوعر.
وفي النهاية، قد لا ندرك دائمًا أثر ما نقول، لكن الكلمات تظل باقية، تترك أثرها في النفوس، إما نورًا يهدي، أو ظلمةً تُثقِل القلب…
وكما قال الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي:
“أتعرف ما معنى الكلمة؟ الكلمة نور… وبعض الكلمات قبور.”










