تبني إسرائيل إستراتيجيتها على مخططات التوسع التدريجي عن طريق الحرب، وقد استلزم ذلك أن تبحث دائما عن عدو تشتبك معه، فإن لم تجده تختلقه وتشيطنه وتنفخ فيه وتصوره بأنه التهديد الأكبر للسلام الإقليمي والسلام العالمي، ومن ثم ينشط حلفاؤها في استهداف العدو الجديد فتشتعل الحرب وتزهق الأرواح ويدمر العمران.
حدث هذا مع فلسطين ومصر وسوريا والعراق، ويحدث اليوم مع إيران ولبنان، وسيحدث غدا مع آخرين، فالعقل الصهيوني لا يهدأ، تختلف أساليبه وأدواته لكن هدفه واحد: ألا توجد قوة في الشرق الأوسط تفوق أو تتساوى مع قوة إسرائيل، ولا يستقر مشروع لدولة ناهضة غير المشروع الإسرائيلي، وتماهيا مع هذا الهدف وضعت أمريكا والغرب كله قاعدة إستراتيجية ظالمة لتوازن القوى، تقضي بضمان تفوق إسرائيل على كل الدول العربية مجتمعة.
ويبدأ المخطط الإسرائيلي لاستهداف من ترى أنه عدو المرحلة بمحاولات للاستحواذ والهيمنة، ثم تخويف وإرهاب وفق قاعدة “من ليس معنا فهو ضدنا”، ثم اتهامات وتحريض متصاعد واستقواء بالغرب، ثم توجيه ضربة استباقية واحتلال أجزاء من الأرض.
واليوم ترى إسرائيل أنها نجحت في إضعاف إيران بعد حربين مدمرتين كانت أمريكا شريكة فيهما، وصار السؤال المطروح: من هو العدو الجديد التالي بعد إيران؟!
هناك آراء وتحليلات سياسية صريحة تركز على حاجة إسرائيل إلى عدو خارجي جديد للحفاظ على وحدتها الداخلية، وأن تركيا هي العدو الإستراتيجي التالي بعد إيران، ثم بدرجة أقل تأتي باكستان ومصر والسعودية، والسبب في ذلك يعود إلى القلق من تزايد نفوذ تركبا والقوة التي حققتها في المجالات الاقتصادية والصناعات العسكرية، وأيضا بسبب دورها في المنطقة، خاصة في سوريا، وموقفها الرافض للحرب على غزة وإيران.
وقد بدأ التصعيد الإعلامي والدبلوماسي بين إسرائيل وتركيا عقب تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول ضرورة وقف الحرب على إيران، وإعلان النيابة العامة التركية إعداد لائحة اتهام ضد 35 مسؤولاً إسرائيلياً (بمن فيهم نتنياهو) بشأن الاعتداء على أسطول الصمود العالمي الذي كان يحاول كسر الحصار على غزة، وقد رد نتنياهو على ذلك بالهجوم على أردوغان، واتهامه بالنفاق ودعم نظام إيران الإرهابي، وارتكاب انتهاكات حقوقية وقتل الأكراد في تركيا.
وسخر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أردوغان، ووصفه بأنه “نمر من ورق”، وأنه لم يرد على صواريخ إيرانية سقطت على أراض تركية، واتهمه باللجوء إلى “معاداة السامية”، كما صرح نافتالي بينيت رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بأن تركيا هي “إيران الجديدة” و “التهديد الناشئ” بسبب نفوذها في سوريا وعلاقاتها مع مصر وقطر.
وقبيل الحرب على إيران أعلن نتنياهو تشكيل تحالف إقليمي جديد يضم إلى جانب إسرائيل الهند واليونان وقبرص ودولا عربية وأفريقية وآسيوية لمواجهة “المحور الراديكالي الشيعي” و”المحور السني الراديكالي” الذي يتشكل من تركيا ومصر وباكستان وقطر والسعودية.
وفي المقابل حذرت تركيا من “محاولات إسرائيلية لتطويقها”، وقال أردوغان: “ليس هناك قوة يمكنها تهديد تركيا ورئيسها”، ووصف نتنياهو بأنه “جزار غزة”، بينما وصفته الخارجية التركية بأنه”هتلر عصرنا” بسبب “جرائمه”، وقالت إن هجومه على أردوغان يعكس الانزعاج من الحقائق التي تكشفها تركيا، وصرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن نتنياهو “يسعى لإعلان تركيا عدواً جديداً”، ودعا إلى “تحالف أمني إقليمي لمواجهة هذه السياسات”.
ولا تخفي إسرائيل غضبها من الدور الذي لعبته مصر وتركيا وباكستان (مع السعودية أحياناً) لوقف الحرب على إيران، وتعتبر أن هذا الدور يعكس تنسيقاً إقليمياً يضر بمكانة ومصالح إسرائيل، وتحذر من تقارب مصري – تركي، أو ما تسميه “حلقة سنية حول إسرائيل”.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن باكستان أيضا عدو محتمل لإسرائيل، باعتبارها “قوة نووية إسلامية” و “مظلة نووية سنية” متحالفة مع تركيا، وذلك بعد تنامي نفوذ باكستان وتدخلها للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وتتحدث بعض المقالات عن ضرورة تبني إسرائيل “إستراتيجيات غير مباشرة لدعم اضطرابات حدودية في باكستان وحركات معارضة”.










