لم تكن عظمة الدولة يوما فى قصورها بل فى ضمير من يحكمها ولم يكن ميزان القوة فى زخرفة العروش بل فى قدرة الحاكم على أن ينزل من عليائه ليحيا كما يحيا الناس بل أدنى قليلا .
هكذا كان عمر بن الخطاب .. رجل لم يعرف الترف طريقا الى بابه ولم يسمح للسلطة أن تعزلة عن وجع الناس فى عام الرمادة حين أجدبت الارض وضاقت الاحوال لم يبحث عن مخرج خاص ولم يختبىء خلف امتيازات الحكم , بل حاصر نفسه قبل ان تحاصره الازمة , امتنع عن اللحم والسمن وأكتفى بالخبز والزيت وكأنه يقول كيف اشبع والناس جياع ؟
لم يكن استعراضا للزهد بل تأسيسا لمعنى العدالة , العدالة التى تبدأ من القمة لا تفرض من القاع , العدالة التى لا تخطب على المنابر , بل تؤكل مع كل لقمة خبز جافة وتروى عنه مواقف يلخص فلسفة حكمه , حين اهديت له الحلوى لم ير فيها حقا شخصيا هل أذوق ما لايقدر عليه الناس فأختار أن يردها الى مستحقيها . وحين سمع بأنين امرأة تعانى الجوع لم يرسل جنديا ولا موظفا بل حمل الطعام على كتفه ومضى بنفسه فى ظلمة الليل لأن المسؤولية عنده لم تكن توقيعا على ورق بل فعلا مباشرا
ذلك هو الفارق بين من يحكم ومن يخدم بين من يرى السلطة غنيمة ومن يراها أمانة بين من يختبىء خلف الاسوار ومن يطرق أبواب الفقراء
أن استدعاء هذا النموذج اليوم ليس حنينا الى الماضى ولا بكاء على زمن مضى بل تذكير بمعيار لا يسقط بالتقادم
أن الحاكم الحقيقى لايقاس بما يملك بل بما يتحلى عنه ولا بما يأخذه من شعبه بل بما يتحمله عنهم فحين يصبح الجوع عاما لايكفى أن تلقى الخطب بل يجب أن تختبر الضمائر وحين تضيق الحياة بالناس لا تقاس الدول بإرتفاع ابراجها بل بقدرة قادتها على الانحناء حتى يلتقطوا وجع البسطاء من على الارض .
المحامى — مدير احد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










