الأربعاء , 28 أكتوبر 2026

مأمون الشناوى يكتب.. كُوز ذرة .. ياناس !!

نزلت { البسوس بنت المُنقذ } ضيفة على ابن أختها { جساس بن مُرّة } ، أحد سادة قبيلة [ بنى بكر ] ، وبصحبتها ناقتها ، فرحب بها { جساس } أيما ترحاب ، وأكرمها ، وأطلق الناقة ترعى فى مراعى القبيلة العامرة !!.
لكن الناقة – ويالسوء الطالع – انحرفت إلى تخوم [ بنى تغلب ] ، وراحت ترعى فى أرض كانت ملكاً للفارس العربى المُهاب ، ورأس قبيلته { كُليب بن ربيعة } ، فلما رآها { كُليب } وهو لايعرف صاحبها ، استكثر ذلك ، وأخذته العزة بالاثم ، واعتبر ذلك استهانة به ، وبمراعيه ، فأطلق سهماً على الناقة ، فأصاب ضرعها ، فماتت من فورها !!.
ولما علم { جساس بن مُرّة } ذلك – وكان { كُليب } زوجاً لأخته الشاعرة العربية { جليلة بنت مُرّة } – أقسم { جساس } ليقتلن مَن قتل الناقة ، أيّاً مَن كان هو ، فعرف أنه { كُليب } ، زوج أخته { جليلة } ، لكنه رغم ذلك لم يتراجع ، تصوروا ، لم يتراجع ، وكيف يتراجع وهو المِغوّار الأشم الذى لاتسقط له كلمة ، ولايحنث له يمين ، ولايبطل له قسم ، فذهب إلى { كُليب } زوج أخته ، وضربه بسيفه ضربة ، أردته قتيلا !! .
وقامت قيامة القبيلتين ، [ بنو بكر وبنو تغلب ] ، واشتعلت الحرب بينهما ، كم يامولانا ، أربعون عاماً متواصلة ، لاهدنة فيها ، ولاتصالح ، حتى ترملت النساء ، وتيتمت الأطفال الرُضع ، وهُدمت البيوت ، وأُحرقت الخيام والمَضارب ، ونفقت وقُتلت الخيول والنوق والإبل ، وإمعاناً فى الحماقة ؛ أقسم { المُهلهل بن ربيعة } المُلقب ب [ الزير سالم ] ، أخو { كُليب } ، أن يقتل مقابل كل عضو من جسد { كُليب } ، فارساً من [ بنى بكر ] !! .
وعادت { جليلة } إلى بيت أخيها { جساس } مطرودة محزونة ، بعد أن قُتل زوجها بيد أخيها ، كسيفة البال ، مقروحة الجَفن ، تلطم خديها ، وتندب حظها ، وقد سكبت مشاعرها فى قصيدة بديعة ، تستنكر مافعله أخوها { جساس } !!.
إنها [ حرب البسوس ] ياسادتي ، التى استمرت من عام 494 م وحتى عام 534 م بين القبيلتين العربيتين ، وأتت على الأخضر واليابس فيهما ، والتى قيل بأنها نشبت بسبب ( كوز من الذرة ) ، التقمته ( ناقة البسوس ) من أرض { كُليب } !!.
ولكنها الحماقة العربية ، واستسهال الصدام ، والتى يبدو أن روحها قد تسللت إلى نفوسنا حتى اليوم ، فما زلنا نسعى جاهدين فى خراب أوطاننا وتدمير بلادنا ، ومُخيمات اللاجئين والمُشردين ، والكوليرا ، وأنهار الدم المُراق فى اليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان ، شاهدة على حماقاتنا تلك ، لايهم السبب ، فقد يكون خلافاً فى الرأى ، أو زواج فنانة ، أو فتنة طبيب ، أو مباراة كرة ، أو صراع على حدود وهمية ، أو بئر نفط ، أو طمعاً فى سلطة زائلة ، أو اختلاف مذهبى أو طائفى أو عرقى ، لكن كلها لاتساوى – عند العقلاء – إذا ماقورنت بالدم العربىّ ( كُوز ذرة ) !!.

شاهد أيضاً

عمرو عبد الغفار يكتب.. «اعمل في صمت وأحدث أثرًا لا يُنسى».. النجاح الحقيقي أن تترك أثرًا لا مجرد صورة

بعد أن يتعلم الإنسان كيف ينهض من السقوط، ويعيد بناء نفسه، ويتحرر تدريجيًا من حاجته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *