وداعًا للروحِ تلك المتهالكة بين الضلوع…
ناقوسٌ دقَّ إعلانَ النهاية، لحنٌ جنائزيٌّ لفظَ به جثمانُ الإرادةِ أنفاسَ الحياة مُرغمًا. أسمعهم يتحدثون ويبكون ويصرخون، وهناك من يبتسم… أسمع قهقهة ضحكاته الخبيثة، وأنا بين أذرع الصمت مقيَّدُ الحركة، معلَّقةٌ روحي بين السماء والأرض.
ما جدوى الحديث هنا؟
عتابُ زمانٍ أهلك خلايا نفسي، قتل خُضرة حلمي، ومزَّق جعبة أملي، ولفظني خارجَ ميناءِ الحياة. فُقدت نفسي وأُهدرت إنسانيتي، ضاع كل شيء… فأين أنا اليوم؟
وأنا محمولٌ على الأعناق إلى مثوى النهاية، حقيقةٌ لا تحتمل خلافًا… فأين منطق العقل هنا، الذي تظلُّ نيران أفكاره مُضرَمةً تأبى أن تخمد؟ ماذا أفعل بتفاصيل محفورة على جدرانها لم تُزلها تبعات السنين رغم قسوتها؟
أودُّ الصراخ، لكنه عجزي المعتاد… عجزي الذي سئمتُ تملُّكَه لذاتي.
في ليلةٍ ماطرة، والشتاء يضرب جدران المنازل من الخارج، يزحف البرد على جسدي، يجتاح كياني بقسوته. أجلس أنا وعجزي — صديقي — في زاوية من زوايا منزلٍ قديم، تخترق الأمطار سقف غرفتي الوحيدة، تتراقص وكأنها على وقع لحنٍ صاخبٍ لبيتهوفن، فتثير بداخلي دوامة صراعٍ لستُ المنتصر فيها بلا شك… ومنذ متى كان الانتصار حليفي؟
لا مكان للاختباء…
تهاجمني الأمطار كمفترسٍ يطارد فريسةً بائسةً تعلم أن نهايتها وشيكة.
أقف أمام مرآتي المتسخة أبحث عني… ظلالٌ معتمة وخيالات، يطل منها شبح إنسان. تسيل على وجهي صبغةٌ زائفة اعتدتُ أن أضعها على رأسي، محاولةً فاشلة لإخفاء قسوة الزمن ووحشيته. سقط القناع الذي طالما اختبأتُ خلفه خوفًا من مواجهة حقيقتي الصادمة.
كيف تسرب العمر هكذا، في لحظات، من بين أنامل الأيام دون أن أدري؟
أمسح وجهي بيدين مرتعشتين… أهو البرد أم عار الزمن الذي أصابني بداء الوهن دون أن أشعر متى؟ وكيف؟
يستفيق “أيوب” من صراعه بصرخة:
“كتبي… أوراقي!”
هل نالت منها الأمطار؟
يهرول إلى زاوية أخرى، يصعد على كرسيٍّ خشبيٍّ قديم تتناثر به المسامير، يتحسس أعلى دولابه ليحضر حقيبةً قديمة. يفتحها بلهفة، يزيل غطاءً بلاستيكيًا أسود، يتفحص الكتب والأوراق، ثم يحتضنها وكأنه يعانق حبيبةً غابت عنه طويلًا.
يتنهد بارتياح:
“الحمد لله… لم تطلها الأمطار.”
تُسمع دقات الباب.
من يأتي في هذا الوقت المتأخر، وفي ليلةٍ قارسة كهذه؟
يقترب بحذر:
“مَن بالباب؟”
يأتيه صوت مرتعش:
“أنا… دياب.”
يفتح الباب:
“أهلًا بك، ما الخطب؟”
يرد دياب:
“أليس لديك ما نتدفأ به؟”
يجلس، يلمح الحقيبة، يضعها على الكرسي، فإذا بأيوب يصرخ:
“إياك وهذه الحقيبة!”
يحتضنها بشدة.
يتعجب دياب:
“ما بها؟”
يرد أيوب:
“بها كنزي.”
يفتح الحقيبة، يعرض أوراقه:
“هذه قصصي… كتبتها على مدار سنوات.”
ينبهر دياب:
“رائعة… كنز حقيقي.”
يتنهد أيوب بحسرة:
“لكنه سيبقى هنا… لن يراه أحد.”
يرد دياب بحماس:
“لا، سأعرضها عليهم. ستنجح، سيبرز نجمك، ستتزوج صفية…”
يتغير وجه أيوب…
“صفية…”
تمر الأيام… ولا خبر.
يذبل الأمل.
يراقبها من نافذته…
لكن نظرتها تغيّرت.
يقرر الذهاب إلى صديقه.
يصل إلى موقع الإنتاج… يرى اللافتات…
يتجمد.
“القرين”
قصته…
لكن باسم مؤلف آخر.
ينهار.
يمزق اللافتات صارخًا:
“هذه قصتي!”
يُطرد.
يعود… مكسورًا.
وفي الطريق… زغاريد.
منزل صفية.
تتزوج…
من دياب.
ينهار كل شيء.
يصرخ بجنون:
“لِيَمُتِ الإنسان… وليستيقظ القرين!
مت يا إنسان… اصحُ يا قرين!”
تتعالى ضحكاته…
ضحكاتٌ على جدار الموت.










