الجمعة , 23 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. عِزة النفس !!

كان الشاعر العراقىّ الكبير { بدر شاكر السيّاب } فى مرض الموت ، وكان يُرسل قصائدة إلى مجلة [ العربى ] الكويتية الشهيرة لتنشرها ، فكانت تحتفى بها وبصاحبها الشاعر العبقرى الرائد ، وقد أرسل لها آخر قصائده ، وقد استطال مرضه واستبدت عِلته !!.

وكان من عادة المجلة ، أن تجمع المادة التحريرية لشهرٍ قادم ، وكانت قصيدة { السيّاب } ضِمن العدد التالى ، لكنهم أرسلوا له شيكاً مُقابل القصيدة فوّر تسلمهم لها ، ولما نزل العدد الجاهز من المجلة ولم يجد السيّاب قصيدته فيه ، رد الشيك إليهم ، مَصحوباً بعبارة كتبها على قُصاصة ورقيّة تقول ( المريض قد تُوفى ) ؛ فقد ظن أن قصيدته لاتصلح للنشر ، وما هذا الشيك إلا مَعونة له فى مرضه ، وعندما تدراكوا الموقف ، وبعثوا له بخطاب يوضح الحقيقة ، كان { السيّاب } قد فارق الحياة !! .

إنها عِزة النفس التى تأبى المَهانة ، وتتعفف وهى محتاجة ، وتترك وهى فى ضنك ، وترفض وهى فى ضيق ، وترفع يدها عن الطعام الشهىّ وهى جائعة تبيت على الطوى ، وعن المال السخىّ حتى تناله بكرامة ، وتسمو على منصب مهما علا ، إذا كان يستوجب إنحناء ظهرها !! .

إنها عِزة النفس ، ياسادة !! .

أسر المسلمون فى إحدى غزواتهم { عَمّارة بن الوليد } وهو شقيق { خالد بن الوليد } ، ضِمن أحد عشر شقيقاً ، ولما أطلقوا سراحه أعلن إسلامه ، فلامه المحيطون به على ذلك ، فقد كان بمقدوره أن يُسلم وهو فى الأسر ، فقال لهم بأن عِزة نفسه منعته ، مَخافة أن يُقال عنه بأنه أسلم إتقاء التعذيب أو استجداءً أو طريقاً للعفوّ عنه !! .

وقالت العرب ، إن النفس تطمع والأسباب عاجزة ، والنفس تهلك بين اليأس والطمع !! .

وكِبار النفوس لايتدنون أبداً مهما كانت المُغريات ، والأسود لاتأكل الجيّف ، وإنما تصطاد فريستها عند إحساسها بالجوع ، ثم تتناولها ، فإذا ماشبعت تركت بقاياها للضباع والثعالب والذئاب والكلاب والطيور الجوارح والديدان !! .

وكُلنا لا جِدال يُحب نفسه ، ولكن مِنا مَن يُحبها عزيزة كريمة ، فيخوض غِمار الحروب لايأبه بالعواقب ، ومِنا مَن يُحبها ذليلة كسيفة كسيرة ، فيفر كما تفر الجرذان ، يحط على الرِمم ، وسقط الطعام ، خالعاً ثوب الكرامة وعِزة النفس ، وعليك أن تختار أنت لنفسك موضعاً من الموضعين يليق بها !! .

شاهد أيضاً

د.سامح صابر يكتب.. عباس بن فرناس”حكيم الأندلس” الذي ظلمه الوعي الجَمْعي

​في كتابات التاريخ وسطوره المنسية، كثيراً ما تتوارى الحقائق البارزة خلف اختزالات مجحفة وروايات مبتورة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *