الخميس , 22 أكتوبر 2026

د.سامح صابر يكتب.. عباس بن فرناس”حكيم الأندلس” الذي ظلمه الوعي الجَمْعي


​في كتابات التاريخ وسطوره المنسية، كثيراً ما تتوارى الحقائق البارزة خلف اختزالات مجحفة وروايات مبتورة. علقوا في أذهاننا منذ الصغر أن عباس بن فرناس ليس سوى شخص مغامر صنع أجنحة من الريش وحاول الطيران ثم اختل توازنه وسقط فشلاً! لكن هذه الصورة النمطية الضيقة لم تكن إلا اختزالاً مظلوماً لسيرة أحد أعظم العقول التي أنجبتها الحضارة الإسلامية في الأندلس.
​لم يكن ابن فرناس مجرد محاولٍ للطيران، بل كان قمة من قمم العلم في عصره، حتى لُقب بـ “حكيم الأندلس” لشدة تبحره في مختلف العلوم والمعارف.
​ابتكارات غيرت مجرى العلم
​قبل أن يرفع نظره إلى السماء محاولاً الطيران، خاض عباس بن فرناس في أعماق الأرض وعالم المادة مبتكراً ومجدداً:
كان أول من ابتكر طريقة لصناعة الزجاج الشفاف العالي النقاء، والعدسات الطبية التي ساعدت في تصحيح الرؤية.
طور تقنيات مبتكرة لقطع صخور الكريستال الصلبة وإعادة تشكيلها بدقة.
كان السبّاق في اختراع أول قلم حبر سائل في العالم، يختزن الحبر بداخله ليُسهل الكتابة والتدوين.
كمااخترع “الميقاتة” (أول ساعة مائية)، لضبط أوقات الصلاة والتعرف على حركة الأيام والشروق والغروب، كما صنع آلات دقيقة لمراقبة حركة النجوم والأجرام السماوية.
​وعندما قرر ابن فرناس الطيران، لم يكن ذلك مجرد اندفاع عشوائي، بل كان مستنداً إلى دراسات فيزياء حركة الأجسام والرياح؛ فكان أول إنسان في التاريخ يحاول الطيران الفعلي باستخدام جناحين ثابتي الحجم والمساحة.
​ورغم أن المحاولة انتهت بسقوطه الشديد نتيجة عدم إدراكه حينها لأهمية الذيل في التوازن والهبوط، إلا أنه لم يمت فوراً كما تُشاع الروايات الخاطئة، بل شُفي من جراحه وعاش بعدها 11 عاماً يواصل أبحاثه وتجاربه العلمية.
​​إن قصة عباس بن فرناس لا تقتصر على كونها محطة تاريخية في مسار العلم، بل تحمل درساً أعمق في كيفية تعاملنا مع إنجازات المجتهدين. فمن الظلم البالغ بحق المبدعين أن يُختزل تاريخهم النابض بالإنجازات والابتكارات في مجرد لحظة تعثر أو زلة كبوة؛ فالبشر لا يُقاسون بنهايات محاولاتهم الفردية، بل بأشكال وأنواع إرثهم الفكري والعلمي والفني المتكامل. إن بتر النجاحات واختزال السير العظيمة في قالب ضيق يحرم الأجيال من رؤية الصورة الكاملة للمثابرة والإبداع، ويبقى التاريخ الحقيقي منصفاً لمن بذلوا أطياف الفكر والعمل لرفعة الإنسانية لا لمن أخطأت خطواتهم مرة واحدة.

شاهد أيضاً

احمد مدكور يكتب.. مدكوريات “شخصيات نادرة” الشاعر والصحفي”كامل الشناوي”(حلقة ١)

بادئ ذي بدء أقدم للقارئ والمثقف نماذج أثرت الحياة الثقافية في”مصر”خلال القرن ٢٠العشرين٠٠وأقدم معلومات قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *