الإباحة في جرائم الرأي والتعبير هي أسباب قانونية تزيل الصفة غير المشروعة عن أفعال النشر أو التعبير، محولةً إياها إلى أفعال مباحة ومحمية. تهدف هذه الأسباب إلى خلق توازن دقيق بين حرية التعبير وحق الأفراد في صون الشرف والاعتبار
لحرية الرأي والتعبير قيمة عليا في حياة الناس، وهي من مصادر الخلق والإبداع وتنمية الخيال الأدبي والفني في كل الاتجاهات الممكنة، فضلاً عن انها تعطي الأمل والثقة للناس في قيام نظام اجتماعي وسياسي سليم يحترم الفرد ويقدر مشاعره وضميره الأدبي. وتعطي حرية التعبير للإنسان قدرة المشاركة بإخلاص وفعالية في الحياة الاجتماعية العامة والمساهمة في دفع التقدم الاجتماعي إلى الأمام مما لا يفسح المجال أمام نمو النفاق الاجتماعي وطغيان الانتهازية وسيادة العلاقات المزيفة القائمة على المصالح الشخصية البحتة التي تجد ضالتها في عهود الظلام وكبت الحريات. ويقول الشاعر بيرم التونسي، وهو يتعرض لأهمية حرية التعبير وممارسة حق النقد،
(.. ولولا النقاد لهلك الناس، وطغى الباطل على الحق، ولامتطى الأراذل ظهر الأفاضل، وبقدر ما يخفت صوت الناقد يرتفع صوت الدجال).
ذلك ان الإنسان كائن فكري، ويغطي الفكر مجمل نشاطاته العقلية والبدنية، فما نقوم به من نشاطات ذهنية وما نتحرك مادياً إلا بناءاً على فكرة مسبقة، وحركة الفكر الإنساني، هي الحركة الأهم في حياتنا جميعاً، لما يترتب عليها من رؤى ونشاطات تتمظهر بصور منوعة من الإبداع الإنساني كالنتاج الفني والأدبي والعلمي فضلاً عن السلوك الاجتماعي اليومي لبني البشر ونشاطهم البدني ، ومثلما تحكم قوانين المنطق نظام الكون،
فانها تحكم سياقات الفكر الإنساني أيضا باعتباره جزء من ذلك النظام، وحينما تتحق الحرية بأنواعها وتفصيلاتها الدقيقة فان ذلك يدفع بالفكر الإنساني إلى أقصى حدوده الممكنة، وهذا ما يذكرنا بالأفكار الخلاقة التي نمت وازدهرت في عصور النهضة الأوربية التي كانت نتاجا وابنا شرعيا لنمو وتطور الحريات العامة، وحينما تتعرض حركة الفكر لقيود خارج حدود قوانين المنطق،
أو حينما تستبعده عن العمل والتأثير سلوكيات مثل التعصب والهوى والإرادة الطائشة والرغبات الآنية وخاصة السياسية منها، التي لا تنتهي حججها يوماً ما في مواجهة الفكر وحريته، بما يذكرنا بالعصور المظلمة، فان الناتج هو توقف الإبداع والتطور في المجتمع فيكون سبباً لانتشار الجهل وسيادة الأفكار المتخلفة محله، لان الفكر لا يمكن إلغاؤه كلياً من حياة البشر، فان حُجب الفكر الحر النير المتطور عن عقول الناس ونظرهم فلا شك في أن يحل محله ما هو متخلف وسلفي.
وحرية التعبير لا تعني تعليق الحرية على صحة التعبير أو على مدى مطابقته لمعايير جامدة لا يمكن ان تتطور بتطور المجتمع، وانسجاما مع ذلك ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر في حكم لها بشأن حرية الرأي بشكل عام إلى القول (… حق الفرد في التعبير عن الآراء التي يريد إعلانها، ليس معلقاً على صحتها، ولا مرتبطاً بتمشيها مع الاتجاه العام في بيئة بذاتها، ولا بالفائدة العملية التي يمكن ان تنتجها، وإنما أراد الدستور بضمان حرية التعبير أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياة في أعماق منابتها بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام فلا تكون معاييرها مرجعاً لتقييم الآراء التي تتصل بتكوينه ولا عائقاً دون تدفقها.
وحيث إن من المقرر كذلك إن حرية التعبير ، وتفاعل الآراء التي تتولد عنها ، لا يجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارستها ، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة عليه نشرها ، أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخي قمعها · بل يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها -وعلانية – تلك الأفكار التي تجول في عقولهم ، فلا يتهامسون بها نجيا ، بل يطرحونها عزماً ولو عارضتها السلطة العامة – إحداثا من جانبهم – وبالوسائل السلمية – لتغيير قد يكون مطلوبا · فالحقائق لا يجوز إخفاؤها ، ومن غير المتصور أن يكون النفاذ إليها ممكنا في غيبة حرية التعبير · ).
ميز الفقه بين نوعين من الأسباب التي تؤدي إلى انتفاء المسؤولية الجنائية، الأول هي الأسباب التي تؤدي إلى سلب إرادة الجاني وتجريدها من الإدراك أو سلبها حرية الاختيار مثل صغر السن، حيث تعدم الأهلية الجنائية للأطفال، والجنون الذي هو شكل من أشكال عدم قدرة الفرد على التحكم في تصرفاته، والثاني هي الأسباب التي تؤدي إلى نفي الركن الشرعي للجريمة وتزيل عن الفعل صفة اللامشروعية مثل الدفاع الشرعي واستعمال الحق وأداء الواجب، وتعرف هذه الأسباب بأسباب الإباحة هنا.
وتتفق أسباب الإباحة وموانع المسؤولية في أنها تؤدي إلى عدم توقيع العقاب على المتهم، وتنحصر أسباب الإباحة في جرائم الرأي والتعبير في حق نشر الأخبار وحق النقد وحق الطعن في أعمال الموظف العام أو من في حكمه وحق التبليغ عن الجرائم والمخالفات الإدارية والحصانة البرلمانية، وسوف نتناول جانبًا من دراسة الضوابط الجنائية لحرية الرأي من تأليف المستشار الدكتور عبدالرحمن هيكل نائب رئيس محكمة النقض.
عرَّفت محكمة النقض المصرية حق النقد بأنه «ابداء الرأي في أمر أو حل دون المساس بشخص صاحب الأمر أو العمل بغية التشهير به أو الحط من كرامته»، فالناقد يلتزم إبداء الرأي والتعليق على الواقعة دون المساس بشخص صاحب الواقعة، فلا يجوز للناقد النيل من سمعة أو شرف أو اعتبار الأشخاص، وعليه فالمعيار الفاصل في تعيين دائرة النقد المباح هو التفرقة بين الشخص وتصرفاته فهو مباح إذا التزم الناقد التعليق على الواقعة حتى لو كان لاذعًا، أما إذا انحرف الناقد إلى النيل من الشخص نفسه تحول إلى جرم واجب العقاب عليه.
أما الأساس الدستوري فيتجسد في المواد 30، 35، 36، 37 وتقابلها كذلك في الدستور المصري وتعديلاته أن حق النقد هو الأساس والمنطق الذي تقوم عليه حرية البحث العلمي والفني والأدبي، لذلك حق النقد ليس طليقًا من التنظيم والتقييد، بل كغيره من الحقوق منظم بمجموعة من الضوابط المنظمة لممارسته، فيشترط لإعماله كما أجمع الفقه شروطاً عدة، هي أن يكون وعاء النقد واقعة ثابتة معلومة للجمهور، وأن تكون ذات أهمية جماهيرية، وأن يكون النقد ملائمًا ونزيهًا،
وأخيرًا يشترط توافر حسن النية لصاحب النقد وهو الشرط الذي يمثل جوهر إباحته واستقرت الأحكام القضائية على أن الناقد له أن ينتقد العمل العام ما شاء بشرط استهداف المصلحة العامة والاعتقاد بصحة الرأي والتعليق، واعتبر الشارع المصري أن الطعن في أعمال الموظف العام أو الشخص ذي الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة غير مجرم إذا حصل بسلامة نية وعليه إباحة القذف في الطعن في عمل ذوي الصفة العمومية، لكن المشرع الفرنسي أضاف بعض الأفراد باعتبار صفاتهم في حالات معينة من قانون حرية الصحافة الفرنسي وضوابط الحق في نشر الأخبار في صحتها وأهميتها وحسن النية.
أخيرًا.. الجميع يستطيع اختيار المثال المناسب للنقد أو إباحة القذف من متابعته اليومية عبر مواقع التواصل، لكن أشير لمثال المكلفين بخدمة عامة كأعضاء جمعيات النفع العام، فالبعض منهم ينتقد المجلس والحكومة، بل يشارك في ندوات سياسية وفي حقيقة الأمر يحجب كل رأي أو انتقاد مخالف له خاصة عدم جدوى الجمعيات العمومية التي تعتبر صورية لمنح الثقة
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










