يبدو أن رحلة الحصول على رقم إيداع لكتاب في مصر أصبحت أطول وأكثر تعقيدا من رحلة كتابة الكتاب! فمنذ تلك القضية الشهيرة الخاصة بأحد الكتب، والإجراءات تسير بخطى ثابتة نحو مزيد من التشديد والبطء، حتى صار الناشر أو المؤلف يشعر أحيانا أنه يتعامل مع ملف شديد الحساسية يحتاج إلى موافقات أقرب لما يحدث في أفلام الجاسوسية!
كنا نتوجه في السابق لدار الكتب فنحصل على رقم الإيداع في نفس اليوم .. أما الآن فأصبح الأمر يحتاج إلى يومين من الانتظار ورحلات متكررة خاصة لدور النشر الموجودة خارج القاهرة مثلنا بالزقازيق، حيث نسافر لتسليم الأوراق ثم نعود مرة أخرى فقط لاستلام الرقم في استنزاف دائم للوقت والجهد والتكاليف، وكأن رقم الإيداع قطعة أثرية لا تُسلم إلا بعد رحلة شاقة .
والمفارقة أن الإجراءات القديمة كانت في غاية البساطة: صورة بطاقة المؤلف واسم الكتاب ثم نستلم الرقم في دقائق .. وبعد ذلك بدأت القائمة تتضخم شيئا فشيئا: صورة بطاقة المؤلف وملخص الكتاب والفهرس والصفحة الأولى وصورة الغلاف، ثم نسخة PDF على سي دي وخمس نسخ مطبوعة من الكتاب لا نعرف أهميتها في ظل التحول الرقمي !
والآن يطلبون نسخة Word كاملة من العمل قبل صدور رقم الإيداع .. وهنا تكمن المفارقة الأخطر، لأن نسخة الـWord نسخة مفتوحة وقابلة للنسخ والتداول، بما يهدد حقوق الملكية الفكرية للمؤلف .. وكلنا يتذكر ما أثير سابقا حول قضية الوزيرة مع الكاتبة سهير عبد الحميد وهي وزيرة ثقافة .. فماذا عن ملفات الكتّاب المعرضة للنسخ أو التسريب؟
وهنا يبرز السؤال المنطقي: كيف يُطلب من الناشر أو المؤلف تسليم نسخة Word كاملة بعد الانتهاء من التنسيق والتصميم وربما الترجمة أيضا مع احتمال رفض الكتاب لاحقا لأي سبب؟ من سيتحمل في هذه الحالة تكاليف الإعداد والإخراج الفني والطباعة؟
ثم إذا كنا نتحدث بالفعل عن “التحول الرقمي”، فما الحاجة إلى خمس نسخ مطبوعة؟ أليس الأولى الاكتفاء بنسخة PDF تحفظ إلكترونيا بعد صدور الكتاب؟ أم أن التحول الرقمي عندنا يعني أن نطبع الورق ونرفع نسخة إلكترونية ونسافر مرتين، وندفع رسوما إضافية… ثم ننتظر!
للأسف .. ما يحدث لا يبدو تطويرا حقيقيا للإجراءات بقدر ما يبدو اتجاها متزايدا نحو الرقابة والتعقيد، في وقت يفترض فيه أن تكون المؤسسات الثقافية داعمة للنشر والمعرفة، وليس عبئا إضافيا على الناشرين والكتّاب .











