إذا أقبل عيد الأضحى، أقبلت معه البشائر، وتهللت الوجوه، وتفتحت القلوب على مصاريعها للفرح. سماء جديدة تهطل منها السكينة، وتشرق فيها القلوب كما تشرق الشمس بعد ليل طويل.
ليس العيد زينة وثياب، ولا مائدةً عامرةً بالطعام، بل هو معركةٌ صامتةٌ بين النفس وهواها، تُسنّ فيها السكاكين على ذبح ما علق بالنفوس من أدران، وترفع فيه الأيدى بالدعاء لتغسل القلوب من أوضار أثقلتها الأيام.
فى هذا اليوم، يقف المؤمن على أعتاب قصة خالدة، قصة إبراهيم وإسماعيل، فتسمع فيها نداء خفيا يهمس فى أذنك يقول لك : يا أبن أدم، أن أعظم أضحية تقربك إلى الله، ليست شاة تذبح ولحما يهراق، بل هوى يقهر، وكبرا يكسر، وحقدا يدفن فى تراب النسيان.
فإذا ذبحتَ الكبر، لبستَ ثوب التواضع فكنتَ أقرب إلى السماء، وإذا ذبحتَ البخل، فتحتَ أبواب الجود فكنتَ مفتاح خيرٍ مغلاق شر، وإذا ذبحتَ القطيعة، وصلتَ ما أمر الله به أن يوصل، فعاد النور يسري في عروق الأرحام.
وهنا يتجلّى سرّ العيد…
تتحوّل الأضحية من لحمٍ يُوزّع على الأبدان، إلى معنىً يُزرع في القلوب فيثمر حبًّا وتسامحًا وإيثارًا…يصير العيد مدرسةً مفتوحة، درسها الأول: أن الإنسان لا يعلو إلا إذا انكسر لنفسه، وأن القوة الحقيقية ليست في أن تأخذ، بل في أن تعطي وأنت قادر. وتكتمل الصورة، ويكتمل البهاء، وتزدان هذه المعانى جمالا بلمّة العائلة وطقوس العيد العريقة، التي تُعيد للبيوت روحها، وللأرواح دفئها.
حين يجتمع الشمل، تضيق الغرف على سعتها، وتتسع القلوب على ضيقها.
يعلو صوت الصغار، وتتدحرج الضحكات كاللؤلؤ، وتتسابق الأيادي في توزيع البسمة، وتُفرش الأرض ضحكًا وحديثًا لا ينضب. هنا تُذبح الغربة، ويُحيا الودّ بين الجدران.
هنا يتحقق معنى العيد في أصدق صوره: قلوبٌ على مائدةٍ واحدة، وأرواحٌ في ظلٍّ واحد، وذكرياتٌ تُنسج خيطًا لتكون درعًا للأيام القادمة.
فما هذه الطقوس إلا جسورٌ خفية، تصل الماضي بالحاضر، وتغرس في نفوس الصغار معنى البرّ والصلة، حتى إذا كبروا حملوا هذا النور ومضوا به في دروب الحياة، فلا يضيع منهم الأصل، ولا يذبل فيهم الفرع.
تأمّل مشهد العيد بعين البصيرة: التكبير يملأ الفضاء فيرتجف له الفؤاد كأنه على موعدٍ مع السماء، والوجوه تتلاقى بعد طول غياب فتُمحى المسافات، والأيادي تتعانق فيُنسى العتاب، وكأنّ الأرض تُعلن عفوًا عامًا عن كل ما مضى. و العيد يصرخ فينا: ما ضاقت الدنيا إلا بما ضاقت به الصدور، وما اتسعت إلا باتساع القلوب.
فلا تجعل عيدك قشرةً بلا لب، ومظهرًا بلا جوهر، وصخبًا بلا معنى. اجعل من أضحيتك رسالة، ومن تكبيرك عهدًا، ومن فرحك صدقةً جارية على نفسك وعلى من حولك.
فالعيد الحقّ هو أن تعود إلى الله بقلبٍ سليم لا تشوبه شائبة، وأن تعود إلى الناس بيدٍ ممدودة، ولسانٍ لا ينطق إلا طيبًا، ووجهٍ لا يعرف العبوس.
جعل الله أيامكم كلها أعيادًا، وبيوتكم عامرةً بالبركة، وقلوبكم مغمورةً بالرضا، وأرواحكم طائرةً في سماء القرب منه.
وكل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب، وعلى الخير أحرص، وبالمحبة أجمل، وبصلة الرحم أوصل.










