هكذا تبكي…
ليس لأن أحدًا جرحك فقط، ولا لأن حلمًا سقط من بين يديك، بل لأنك اكتشفت متأخرًا أن بعض الخسارات لا تغادر، وأن بعض الندوب لا تلتئم مهما مرت عليها السنوات.
تبكي لأنك أصبحت العبء الذي ستحمله طيلة العمر على كتفيك.
أنتَ الحكاية التي لم تستطع تغيير نهايتها.
وأنتَ الذكرى التي كلما حاولت دفنها، عادت لتطرق باب قلبك في ساعةٍ متأخرة من الليل.
كم هو مؤلم أن يهرب الإنسان من العالم كله، ثم يكتشف أنه لا يستطيع الهرب من نفسه.
أن يترك المدن، ويغلق الأبواب، ويقطع الطرق خلفه، ثم يجد أن أثقل ما يحمله لم يكن حقيبة سفر، بل قلبه.
هناك أخطاء لا تعاقبنا المحاكم عليها، لكننا نقضي أعمارنا كلها ننفذ حكمها بصمت.
وهناك وجوه نبتعد عنها، لكنها تبقى معلقة في المرايا.
وهناك كلمات لم نقلها في وقتها المناسب، فتتحول إلى أحجار صغيرة داخل الروح، نسمع ارتطامها كلما مررنا بمحطة تشبه الماضي.
تبكي…
لأنك تعرف أن الزمن لا يعود.
وأن بعض الفرص لا تمنحنا الحياة بديلًا عنها.
وأن الإنسان أحيانًا لا يشيخ بسبب السنوات، بل بسبب ما يحمله في داخله من حنينٍ وعجز وندم.
لكن الحقيقة التي لا يقولها الحزن كاملة، أن العبء لا يكون دائمًا عقابًا.
أحيانًا يكون درسًا.
وأحيانًا يكون تذكارًا من حياة أرادت أن تعلمنا شيئًا لم نفهمه إلا بعد فوات الأوان.
لهذا نمضي.
ليس لأننا نسينا.
بل لأن الحياة لا تتوقف احترامًا لأوجاعنا.
نمضي ونحن نحمل ما تبقى منا، وما انكسر فينا، وما عجزنا عن إصلاحه.
نمضي…
والدمعة في القلب قبل العين.
والحكاية في الروح قبل الذاكرة.
والعبء على الكتفين…
يشبهنا أكثر مما نحب أن نعترف.










