مأمون الشناوي يكتب .. السفاهة !!

السفيه هو ذلك الذي ينفق ماله فيما لايفيد ، ويفتقد إلي فقه الأولويات في سلوكه الاستهلاكي ، ويسعي في حماقة إلي التقليد الأعمى لطبقة أعلي من طبقته ، فيجهد نفسه ، ولا يشبع طمعه ، ولايرضي نهمه ، ويحيا أبد الدهر مذموماً مدحورا !!.
ولقد ساد الناس في زماننا هذا التوجه المريض ، والذي يدل علي الشعور بالدونية ، والاحساس بالنقص والتقزم ، ومحاولة إكمال الشخصية بالانفاق السفيه الذي لا معني له ولا منطق ، ويتجلي ذلك في أفراحنا ومآتمنا ومناسباتنا وأعيادنا ، وإنفاق أولادنا وبناتنا ، وكمية الكافيهات والمطاعم التي تنتشر في ربوع بلادنا كالجراد ، وهوس اقتناء الموبايلات ، والسعار المادي الذي ضرب النفوس وأصبح معياراً للغني ومقياساً للأبهة والتمايز !!.
أذكر في طفولتي أن جاء إلي والدي ثلاثة أخوة ، يشكون من أخيهم الرابع سوء سلوكه وتطلعاته المريضة وفجوره ، وجلست أرقب هذا الفجور الذي حدا بثلاثة رجال طوال عراض يشكون ويتذمرون هكذا ، فإذا بهذا الفجور يتجلي في أن أخاهم الرابع هذا يريد أن ( يشتري ساعة يد ) ، نعم والله ساعة يد ، وكأنها جريمة كبري ، ويصرخ كبيرهم ، وهو يخلع طاقيته ويرمي بها في الأرض ، موجهاً صراخه إلي والدي : ( يامولانا دا خراب بيوت .. دا عايز يلبس سااااعة ) !!.
ومن طرائف الذاكرة ، وقُبيّل الفسحة ، ذات يوم دراسي بعيد ، وكنا في الصف الأول الإعدادي ، راعني تلميذ يجاورني في مقعد الدرس ، حين دس يده في جيبه وأخرج منه شيئاً وضعه في فمه ، وراح يمضغه بنهم ، سألته ، قال بأنها ( حباية بطاطس مقلية ) وضعتها له أمه في جيبه ، لتكون ( اللانش بوكس ) الخاص به ، التحق هذا التلميذ البائس بالكلية الفنية العسكرية ، وتخرج فيها مهندساً ضابطاً ، وترقي ، حتي صار سيادة اللواء المهندس رئيس الرقابة الإدارية علي مستوي الجمهورية !!.
وابتسم رجل الأعمال المليادير سميح ساويرس ساخراً ، عندما سألته الإعلامية مني الشاذلي ، إن كان يمتلك طائرة خاصة أو يخت بحري ، مثل صعاليك الفنانين ومطربي المهرجانات ومحدثي الثروات الحرام ، وقال لها بأنه لم يبدل سيارته الخاصة منذ عشر سنوات !!.
ياسادتي : نسبة لابأس بها من معاناة الناس لاتكمن في ضيق ذات اليد ، ولا في قلة الدخل ، فقط ، وإنما في النمط الاستهلاكي السفيه ، وفي التطلعات المرضية التي لاتتفق مع قدراتهم المادية ، وفي المباهاة والفشخرة ، والتقليد الأعمي ، ومحاولة الهروب من واقعهم ، والتعلق بواقع افتراضي ، ظناً منهم بأنهم بذلك قد انتقلوا إلي طبقة أعلي وأرقي ، فكبروا في عيون الآخرين !!.

شاهد أيضاً

د. عصام محمد عبد القادر يكتب.. مصر التاريخية في عهد القيادة السياسية

حضارة تضرب بجذورها في أعماق الزمان لتبوح بأسرار البقاء وتكتب على جدران التاريخ قصة أمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *