السفيه هو ذلك الذي ينفق ماله فيما لايفيد ، ويفتقد إلي فقه الأولويات في سلوكه الاستهلاكي ، ويسعي في حماقة إلي التقليد الأعمى لطبقة أعلي من طبقته ، فيجهد نفسه ، ولا يشبع طمعه ، ولايرضي نهمه ، ويحيا أبد الدهر مذموماً مدحورا !!.
ولقد ساد الناس في زماننا هذا التوجه المريض ، والذي يدل علي الشعور بالدونية ، والاحساس بالنقص والتقزم ، ومحاولة إكمال الشخصية بالانفاق السفيه الذي لا معني له ولا منطق ، ويتجلي ذلك في أفراحنا ومآتمنا ومناسباتنا وأعيادنا ، وإنفاق أولادنا وبناتنا ، وكمية الكافيهات والمطاعم التي تنتشر في ربوع بلادنا كالجراد ، وهوس اقتناء الموبايلات ، والسعار المادي الذي ضرب النفوس وأصبح معياراً للغني ومقياساً للأبهة والتمايز !!.
أذكر في طفولتي أن جاء إلي والدي ثلاثة أخوة ، يشكون من أخيهم الرابع سوء سلوكه وتطلعاته المريضة وفجوره ، وجلست أرقب هذا الفجور الذي حدا بثلاثة رجال طوال عراض يشكون ويتذمرون هكذا ، فإذا بهذا الفجور يتجلي في أن أخاهم الرابع هذا يريد أن ( يشتري ساعة يد ) ، نعم والله ساعة يد ، وكأنها جريمة كبري ، ويصرخ كبيرهم ، وهو يخلع طاقيته ويرمي بها في الأرض ، موجهاً صراخه إلي والدي : ( يامولانا دا خراب بيوت .. دا عايز يلبس سااااعة ) !!.
ومن طرائف الذاكرة ، وقُبيّل الفسحة ، ذات يوم دراسي بعيد ، وكنا في الصف الأول الإعدادي ، راعني تلميذ يجاورني في مقعد الدرس ، حين دس يده في جيبه وأخرج منه شيئاً وضعه في فمه ، وراح يمضغه بنهم ، سألته ، قال بأنها ( حباية بطاطس مقلية ) وضعتها له أمه في جيبه ، لتكون ( اللانش بوكس ) الخاص به ، التحق هذا التلميذ البائس بالكلية الفنية العسكرية ، وتخرج فيها مهندساً ضابطاً ، وترقي ، حتي صار سيادة اللواء المهندس رئيس الرقابة الإدارية علي مستوي الجمهورية !!.
وابتسم رجل الأعمال المليادير سميح ساويرس ساخراً ، عندما سألته الإعلامية مني الشاذلي ، إن كان يمتلك طائرة خاصة أو يخت بحري ، مثل صعاليك الفنانين ومطربي المهرجانات ومحدثي الثروات الحرام ، وقال لها بأنه لم يبدل سيارته الخاصة منذ عشر سنوات !!.
ياسادتي : نسبة لابأس بها من معاناة الناس لاتكمن في ضيق ذات اليد ، ولا في قلة الدخل ، فقط ، وإنما في النمط الاستهلاكي السفيه ، وفي التطلعات المرضية التي لاتتفق مع قدراتهم المادية ، وفي المباهاة والفشخرة ، والتقليد الأعمي ، ومحاولة الهروب من واقعهم ، والتعلق بواقع افتراضي ، ظناً منهم بأنهم بذلك قد انتقلوا إلي طبقة أعلي وأرقي ، فكبروا في عيون الآخرين !!.










